تكفل الشريعة الإسلامية للمسلم الحق في الاقتناع بأي من الأقوال الفقهية السائغة ؛ فله أن يسأل من يثق بعلمه ودينه ، ويكوِّن قناعته الشخصية وأفكاره الخاصة ، فيما يعن له أو لمجتمعه من أمور أو مشكلات ، طالما كان ذلك في إطار النصوص الشرعية من الكتاب والسنة والأحكام المجمَع عليها ؛ فأهل السنة لا يلزمون بمسائل الاجتهاد ، ولا يجبر المسلم على أن يرى ما تراه السلطة ، طالما كان الرأي الذي اختاره مما يسوغ القول به في الشرع ، بل للمسلم الحق في إعلان رأيه الذي اختاره وشرحه للناس والدعوة إليه والعمل على نشره ، طالما أنه لم يخرج بذلك على الجماعة ولم يشق عصا الطاعة ، والأدلة على ذلك كثيرة ، منها ما أخرجه الدارمي بسنده من طريق الأوزاعي : حدثني أبو كثير وهو مالك بن مرثد حدثني أبي قال : « أتيت أبا ذر ، وهو جالس عند الجمرة الوسطى ، وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه ، فأتاه رجل فوقف عليه ، ثم قال : ألم تُنْهَ عن الفتيا ؟ فرفع رأسه إليه ، فقال : أرقيب أنت عليَّ ؟ لو وضعتم الصَّمصامة على هذه وأشار إلى قفاه ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول صلى الله عليه وسلم قبل أن تجيزوا عليَّ لأنفذتها » [16] . قال ابن حجر - رحمه الله - : « رويناه في الحلية من هذا الوجه ، وبين أن الرجل الذي خاطبه من قريش ، وأن الذي نهاه عن الفتيا عثمان - رضي الله عنه - ، وكان سبب ذلك أنه كان بالشام فاختلف مع معاوية في تأويل قوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّة ﴾ ( التوبة : 34 ) . فقال معاوية : نزلت في أهل الكتاب خاصة ، وقال أبو ذر : نزلت فيهم وفينا ؛ فكتب معاوية إلى عثمان ، فأرسل إلى أبي ذر ، فحصلت منازعة أدت إلى انتقال أبي ذر إلى الرَّبَذَة - بفتح الراء والموحدة والذال المعجمة - إلى أن مات ، رواه النسائي ، وفيه دليل على أن أبا ذر كان لا يرى طاعة الإمام إذا نهاه عن الفتيا ؛ لأنه كان يرى أن ذلك واجب عليه لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ عنه كما تقدم ، ولعله أيضاً سمع الوعيد في حق من كتم علماً يعلمه » [17] .
ومنها ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة ، فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا ، فقالوا : صبأنا صبأنا ، فجعل خالد يقتل ويأسر ، ودفع إلى كل رجل منا أسيره ، فأمر كل رجل منا أن يقتل أسيره ، فقلت : واللهِ ! لا أقتل أسيري ، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره . فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : « اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد مرتين » [18] . وبوب عليه البخاري بقوله : إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد . قال ابن حجر : أي مردود ، ثم قال : والغرض منه قوله صلى الله عليه وسلم : « اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد » يعني من قتله الذين قالوا : صبأنا قبل أن يستفسرهم عن مرادهم بذلك القول ؛ فإن فيه إشارة إلى تصويب فعل ابن عمر ومن تبعه في تركهم متابعة خالد على قتل من أمرهم بقتلهم من المذكورين [19] .
ومنها ما أخرجه البخاري وغيره عن مروان بن الحكم قال : ( شهدت عثمان وعلياً - رضي الله عنهما - وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما ، فلما رأى علي أهلَّ بهما لبيك بعمرة وحجة ، قال : ما كنت لأدع سنة النبي صلى الله عليه وسلم لقول أحد ) [20] . قال ابن حجر - رحمه الله - : ( وفي قصة عثمان وعلي من الفوائد إشاعة العالِمِ ما عنده من العلم وإظهاره ، ومناظرة ولاة الأمور وغيرهم في تحقيقه لمن قوي على ذلك لقصد مناصحة المسلمين ، والبيان بالفعل مع القول .. إلى أن قال : وفيه أن المجتهد لا يلزم مجتهداً آخر بتقليده ، لعدم إنكار عثمان على علي ؛ ذلك مع كون عثمان الإمام إذ ذاك ) [21] . وهذا الأمر لم يكن حالة فردية بل كان مسلكاً عاماً عندهم ، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك . وينبغي هنا التفريق بين حق المسلم في اختياره الفقهي لأي من الأقوال الفقهية السائغة ، وبين ما إذا أخذت الحكومة الشرعية برأي أو قول آخر من الأقوال الفقهية السائغة أيضاً في مسألة تنظيمية أو إدارية ؛ فهنا يجب على المسلم الطاعة في تنفيذ العمل المنوط به المترتب على تلك المسألة ؛ فإن مصلحة الاجتماع والائتلاف مقدمة ها هنا ، وإن كان لا يجب عليه الاعتقاد بصواب ذلك القول أو الاعتقاد بصواب رأي السلطة في تلك الحالة .
- الخامس : واحدية الأمة وواحدية القيادة العليا .