تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأمر الرابع: أنه لا يوجد بديل للجهاد في سبيل الله يمكن أن يقي المسلمين من استعباد أعدائهم لهم، والعدوان على ضرورات حياتهم، فالقوة الشاملة: الإيمانية، والعبادية، والتشريعية، والأخلاقية، والاجتماعية، والتعليمية، والإعلامية، والاتصالية، والاقتصادية، والتجارية، والزراعية، والعسكرية، هي التي تحفظ للمسلمين هيبتهم، وتجعلهم قادة في الأرض، ومتبوعين لا تابعين، وتلك هي معاني الجهاد في سبيل الله.

ولقد جرب المسلمون هذا السبيل في قرونهم المفضلة هذا السبيل، فوجدوا أنفسهم أعز أهل الأرض، وأغناهم، وأشدهم بأسا، وأنفعهم للعالم، من المسلمين وغيرهم.

وجربنا نحن في عصورنا المنحطة، كل مبدأ وكل تشريع، وكل وسيلة وكل سبب غير مبدأ شرع الله، وكل وسيلة غير وسيلة الجهاد –بمعناه الشامل - وسببه، فلم نزدد إلا انحطاطا وعبودية لغير الله الخالق.

الأمر الخامس: أن الواجب على المسلمين، أن يتناصروا فيما بينهم، وأن يتعاونوا على البر والتقوى، ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان، ولا يجوز لهم خذلان بعضهم بعضا، وإسلام بعضهم بعضا لعدوهم، وهل يوجد على ظهر الأرض من هو أحق بالمناصرة، من المجاهدين في سبيل الله، الذين يبذلون أنفسهم وأموالهم، ويؤثرون الموت على الحياة، و التعب على الراحة، من أجل نصرة الإسلام والذب عن حوزة المسلمين، والدفع عن أرضهم وعرضهم.

وهل يوجد بر يجب التعاون عليه، أعظم من التعاون على الجهاد في سبيل الله الذي أصبح اليوم فرض عين على جميع المسلمين، حتى يطردوا عدوهم من أرضهم؟

وهل يوجد إثم وعدوان يحرم على المسلمين التعاون عليهما، أعظم من التعاون على حرب الجهاد والمجاهدين في سبيل الله؟

لكم الله أيها المجاهدون!

أيها المجاهدون في سبيل الله، لقد اخترتم أصعب الطرق لنصر دين الله، وطلب العزة للمسلمين، والدفع عن ضرورات حياتهم، والوقوف ضد العدو الذي احتل أرضهم وديارهم، لدحره عن عدوانه، ورد كيده في نحره، ألا وهو طريق الجهاد في سبيل الله، ولكنه الطريق الوحيد الذي لا يوجد في الأرض سواه لتحرير الأرض، ونصر المظلوم، ورفع راية الإسلام، وشرع الله وسجلات التاريخ، وتجارب الأزمنة كلها براهين على ما أقول، وإن زعم الرعاديد والجبناء غير ذلك.

وإن ما نعانيه اليوم من جراء ترك هذا السبيل، من ذل وهوان واستعباد لأعظم من أي دليل وبرهان يزهق دعوى الذين فقدوا عزة الإسلام وكرامة المجاهدين، فاستسلموا للعدو بحجة طلب السلم الذي جنحوا له، ورفضه العدو، والأصل ألا يجنح المسلم لسلم الهوان الذي يكون فيه العدو عاليا على المسلمين، وإنما يجنح المسلمون للسلم الذي يجنح له العدو ويستسلم صاغرا غير عال ولا مستكبر في الأرض، والمسلمون أقوياء منتصرون، لا ضعاف مهزومون. فخالفوا شرع الله ونهيه اللذين سطرهما في كتابه: فقال:

" وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وءاخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون(60) وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم(61) وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين(62)" الأنفال.

" وقال: " فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم" سورة محمد (35)

وإن الخسائر التي تلحق المجاهدين، من جراحات وعذابات، وسفك دماء وفقد أرواح، وهدم بيوت، وجوع وعطش، وخوف وبرد وحر ومرض، بسبب جهادهم في سبيل الله، لهي أهون وأيسر من الخسائر التي تلحق المسلمين بترك الجهاد في سبيل الله.

فاستمروا أيها المجاهدون في جهادكم، واصبروا وصابروا، فأنتم حماة الأمة وحافظو دينها، وأنتم رفيق الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.

جاهدوا والله معكم، وإن خذلكم أهل الأرض جميعا، جاهدوا أعداء الله من اليهود والصليبيين، وأبشروا بإحدى الحسنيين: النصر المؤزر، أو الشهادة المبتغاة، ولينتظر عدوكم إحدى الطامتين: إنزال الله عقابه وعذابه بنصركم عليه وإذلاله، أو عقابه المباشر في الدنيا والآخرة: ((قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون)) [التوبة: 52]

وإن إخوانكم المسلمين الذين لا يخافون إلا الله مثلكم في كل أنحاء الأرض، ليتحرقون شوقا إلى الوقوف في صفكم، مناصرة لكم، ورفعا لراية الإسلام دينهم ودينكم، ولكن الأنظمة التي تخاف غير الله أشد من خوف الله هي التي تحول بينهم وبين ما يشتهون...

ولعل يوم النصر والفرقان الذي يجمعهم بكم، ويجعل الذين يصدونهم عن نصرتكم ويخذلونكم، يطلبون منهم ومنكم النجدة على العدو المتربص بهم وبكم، لعل هذا اليوم آت قريب... فليس من أمل بعد الله في قهر العدو ودحره، ونصر الإسلام والمسلمين، وغسل العار عنهم إلا أنتم أيها المجاهدون... ومهما علا العدو وتجبر وبلغ من القوة المادية ذروتها، فإن نهايته الهزيمة والمحق، فما ارتفع شيء من هذه الدنيا إلا وضعه الله، كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

كتبه

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ١١٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ١١٦٥