تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واستخدم المسلمون الصحابة فمن بعدهم الآلات الحربية في الفتوحات كالمنجنيق (وهي الآلة التي يقذف بها الحجارة وما أشبهها) والعرادات (جمع عرادة وهي أصغر من المنجنيق)، والدبابات (الدبابة : آلة من آلات الحرب يدخل فيها الرجال فيدبون بها إلى الأسوار لينقبوها، ويطلق عليها أيضا الدراجات والضبور)، ولم يتقاعسوا عن استخدام الأسلحة التي وصل إليها التقدم العلمي في عصرهم

وقد اعتنى المسلمون إلى جانب ذلك بالصناعات البحرية لحاجتهم إلى السفن الحربية في نشر الدعوة والدفاع عن الديار، فأنشأ المسلمون بمصر في جزيرة الروضة دار الصناعة لبناية السفن لأول مرة وكان ذلك عام 54 هجرية ،وفي سنة أربع عشرة ومائة أنشأ المسلمون دار الصناعة لإنشاء المراكب البحرية في تونس ، وتوالى بعد ذلك إنشاؤها.

فإذا كانت النصوص الشرعية قد دلت على العناية بصناعة الأسلحة والمركبات الحربية، وعمل بذلك سلفنا الصالح، فإنه يكون من أكبر التقصير الذي تقع فيه الأمة اليوم أن تظل تعتمد في سلاحها الذي تحفظ به أمنها وتنشر به دعوة الله المكلفة بإيصالها للعالمين، على عدوها الذي لا يألوها خبالا كما قال تعالى :"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ" [آل عمران :118].

ولا شك أن اعتماد الأمة في سلاحها على الشراء فقط دون التصنيع له مفاسد كثيرة منها :المبالغ الضخمة التي تدفع في هذه الأسلحة التي تفوق بمراحل كثيرة قيمتها الفعلية، ومنها أن تلك الأسلحة لا يمكن أن تكون أسلحة متقدمة متطورة تغني في مواقع النزال مع أعداء الأمة، بل إن موردي السلاح من دول النصارى لا يعطون الأمة إلا الأسلحة التي لا تخل بميزان القوى بين الأمة وبين عدوها، بحيث تضمن تلك الدول للعدو أن يحقق التفوق الحربي على الدول العربية مجتمعة أثناء القتال، ومنه منع الإمداد بالسلاح أو الذخيرة وقت الحاجة إليه، فتقف الجيوش عاجزة عن التحرك، ويُفرض على الأمة حينئذ ما يشاؤون من الحلول الانهزامية، وأمامنا ما حدث في قضية البوسنة والهرسك، حيث منع عنهم السلاح وهم يتعرضون للقتل الشديد من الصرب، ومن مفاسد الاعتماد في التسليح على الغير أن يكون قرار الأمة مغلولا غير قادر على التحرر والاستقلالية، وهذا الوضع يؤدي إلى استخفاف كثير من الدول بالمسلمين.

إن من الأمور الغريبة التي يعسر إيجاد تسويغ مقبول لها أن تكون الأمة التي جعل الله الجهاد في سبيله لتبليغ رسالة رب العالمين إلى الناس كافة أحد فرائض دينها، ثم هي تهمل آلته وما يساعد عليه، رغم امتلاكها لكل ما تحتاج إليه مما يمكن أن يقيم صناعة حربية متطورة تزود الدول الإسلامية جميعها بما تحتاج إليه

لقد أدى هذا الوضع أن تنتقص بلاد المسلمين من أطرافها ويحتلها الكفار من اليهود والنصارى وهم مطمئنون إلى عدم قدرة هذه الدول في الدفاع عن نفسها، لأنها لا تملك سلاحها التي تدافع به عن نفسها.

لقد تطورت صناعة الأسلحة في أيامنا هذه وكذلك المركبات الحربية تطورا مذهلا، وقد بات الآن من الأمور الواضحة في فقه السياسة الشرعية وجوب القيام بالتصنيع الحربي في جميع المجالات، وجوبا لا يحتمل التأخير والمماطلة، وإذا كانت الأمة تعاني من تخلف كبير في هذا المجال فإنها يمكنها أن تتكامل في ذلك مع الدول الإسلامية المتقدمة في مجال التصنيع الحربي، وأن تبدأ من الآن، وتوجه الجهود، وتقيم مراكز الأبحاث، وترصد الأموال اللازمة، ومن سار على الدرب وصل ولو بعد حين.

إن من الأمور اللافتة للنظر والتي تبين الأهمية القصوى للتصنيع الحربي هو حرص الدول القوية في العالم على حرمان الدول الإسلامية من امتلاك الأسلحة القوية المتطورة ذات القوة التدميرية العالية، مع أن هذه الدول تمتلك هذه الأسلحة وتستخدمها في معاركها ضد أعدائها، وتهدد باستخدامها ضد من يحاول امتلاكها، ولم تتوقف مراكز أبحاثها عن النظر في هذه الأسلحة وتطويرها وابتكار أشكال جديدة منها، وهو ما يعني إصرار هذه الدول على التفرد بالقوة الحقيقية في العالم، واستخدام الأسلحة المتطورة ذات القوة التدميرية العالية ضد من يحاربونهم دون أن يخشوا من الرد بالمثل، وهو يكشف في جانب منه عن النظرة الاستعمارية أو الاستعلائية التي تملأ عقول النخب في هذه الدول، بإزاء الدول الضعيفة، والتي تريد أن تحولهم إلى مجرد ذيول لها واتباع، وبغياب القدرة الحقيقية على الردع بحرمان الدول من امتلاك الأسلحة المناظرة وفرض ذلك بالقوة، يتحول العالم إلى غابة يأكل القوي فيها الضعيف ويملي عليه شروطه، ولا يكون أمامه إلا أحد خيارين :أما القبول والرضوخ لما يطلب منه، وإما الدمار، وفي ذلك تهديد للسلام في العالم لأن من أمن العقوبة أساء الأدب.

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ١١٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ١١٢٣