تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أهمية ائتلاف تلك العناصر الثلاثة وأشركهم جميعا في حصول الثواب، فلم يقصر ثواب الجهاد وأجره على المجاهد الفعلي، بل جعل القائم بالصناعة الحربية شريكا للمجاهد في دخول الجنة لما يترتب عليها من نشر الدين وحماية الحوزة، ولأن المجاهد بالفعل يحتاج في جهاده إلى الآلة الحربية المناسبة، وهذه لا يمكن الحصول عليها إلا بالتصنيع، كما بين الرسول صلى الله عليه وسلم أهمية الإمداد والتموين فقد يوجد المجاهد ويوجد السلاح، ولا يوجد من يوصل السلاح إلى المجاهد وقت الحاجة إليه، فلا بد من وجود من يمد بالسلاح ويوصله إلى من يجاهد به.

وقوله صلى الله عليه وسلم :صانعه يحتسب في صنعته الخير، يعني يطلب في صنعة السهم الثواب من الله تعالى، وهذا لا يعني أن لا يأخذ على ذلك أجرا، بل القصد أن يكون يريد بذلك العمل نصرة الدين والدفاع عن حوزة المسلمين.

وقد أشار القرآن إلى الصناعات الحربية في قوله تعالى :"... وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ..ٌالآية [الحديد :25]، قال ابن كثير :" فيه بأس شديد، يعني السلاح كالسيوف والحراب والسنان والنصال والدروع ونحوها" ، والحديد لا يصير سيوفا وحرابا ونصالا إلا بالتصنيع، وكذلك قال تعالى ممتنا بتعليم الصناعة الحربية لعبده داود عليه السلام :"وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ" [الأنبياء :80] قال القرطبي :"قوله تعالى :" وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ " [الأنبياء :80]، يعني اتخاذ الدروع بإلانة الحديد له، واللبوس عند العرب السلاح كله :درعا كان أو جوشنا أو سيفا أو رمحا" . وقال تعالى :"وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ" [سبأ 10 ، 11 ] والسابغات جمع سابغة، وهي الدرع التي تغطي المقاتل غطاء وافيا، والدرع :القميص من حديد أو غيره.

كما دلت النصوص على العناية بالمركبات الحربية التي يستخدمها المجاهدون، أو التي تنقلهم إلى ميادين الجهاد، مما يبين أن صناعة المركبات الحربية سواء كانت دبابات برية أو سفن وغواصات بحرية أو طائرات جوية، ينبغي أن تلقى العناية أيضا فإن الجهاد بغيرها متعذر أو مستحيل في أيامنا.

ومن النصوص التي تحدثت عن المركبات الحربية قوله تعالى :" وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ" فالخيل هي المركبات الحربية في زمن نزول القرآن، وقد دلت السنة على العناية بالخيل ووردت فيها أحاديث كثيرة فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم :"من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة" ، أي من هيأ فرسا وأعده للجهاد في سبيل الله تعالى طاعة لله تعالى وابتغاء وجهه فإن ما يأكله هذا الفرس من الطعام وما يرويه من الماء وما يخرج منه من بول أو روث كان ذلك كله حسنات توضع في ميزان ذلك الشخص، وهذا يدل دلالة واضحة على أهمية العناية بالمركبات الحربية، وأخرج البخاري في صحيحه قال صلى الله عليه وسلم :"الخيل لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر :فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال بها في مرج أو روضة فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات ولو أنه انقطع طيلها فاستنت شرفا أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقي كان ذلك حسنات له فهي لذلك أجر ... "الحديث ، ومعنى الحديث أن من أعد خيله للجهاد في سبيل الله تعالى فإنه يؤجر على كل شيء يتعلق بها، فلو ربطها في حبل طويل وتركها ترعى فإن كل مسافة مشتها وهي في الحبل كي ترعى كانت له حسنات، ولو أنها قطعت ذلك الحبل فاستنت أي أفلتت ومرحت شرفا أو شرفين، والشرف ما ارتفع من الأرض كانت آثارها وما تلقيه من فضلات حسنات له، ولو مرت بنهر فشربت منه من غير إرادة له في ذلك كانت أيضا حسنات له، فكيف لو أراد؟، وهذا مما يدل على عناية الإسلام بكل ما يعين ويساعد على نشر الدعوة وحماية الحوزة، ومن ذلك بلا شك المركبات الحربية

وقد بلغت عناية المسلمين بالسلاح وإعداد القوة اللازمة لنشر الدعوة وحماية الحوزة أن جعل أهل العلم السهمين الواردين في قوله تعالى :وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ...الآية" [الأنفال :41] "في الخيل والعدة في سبيل الله، فكانا على ذلك في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، قال الأعمش عن إبراهيم :كان أبو بكر وعمر يجعلان سهم النبي صلى الله عليه وسلم في الكراع والسلاح، فقلت لإبراهيم :ما كان علي يقول فيه ؟ قال :كان أشدهم فيه، وهذا قول طائفة كثيرة من العلماء رحمهم الله" .

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ١١٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ١١٢٢