وعمر ".
قال الآمدى: وهذا معارض بقوله عليه الصلاة والسلام: " أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم أهديتم " وليس العمل بأحد الخبرين أولى من العمل بالآخر، فبطل الاستدلال بحديث " عليكم بسنتى " وحديث " اقتدوا بالذين من بعدى " (188) .
وقال صاحب طلعة الشمس الإباضى:
" إن سنة الخلفاء الراشدين كسنته صلى الله عليه وسلم فى وجوب الاتباع، لا فى اعتبار الإجماع، ولم يخص النبى صلى الله عليه وسلم الخلفاء الأربعة بل أراد كل خليفة حق، ولا شك أنه قد جاء من بعدهم خليفة حق من أئمة المسلمين رضى الله عنهم فلا وجه لتخصيص الأربعة " (189) .
وفى حواشى هداية العقول للزيدية: إن حديث " اقتدوا بالذين من بعدى " ضعفه الذهبى، وحديث
" عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى " رواه أبو داود وضعفه ابن القطان، وحديث
" أصحابى كالنجوم " ضعفه أحمد (190) .
وذكر ابن قدامة المقدسى الحنبلى فى روضة الناظر: أنه قد نقل عن أحمد رحمه الله ما يدل على أنه لا يخرج عن قول الخلفاء الأربعة إلى قول غيرهم، وكلام أحمد فى إحدى الروايتين عنه يدل على أن قولهم حجة، ولا يلزم من كل ما هو حجة أن يكون إجماعا ".
فهذا تحرير لمذهب ابن حنبل فى هذه المسألة، وقد علق عليه شارح الروضة بأنه هو الحق (191) .
ثامنا: إجماع الحرمين والمصرين
المراد بالحرمين مكة والمدينة، وبالمصرين الكوفة والبصرة، وقد ذكر الغزالى: " إن قوما قالوا المعتبر إجماع أهل الحرمين مكة والمدينة، والمصرين الكوفة والبصرة، وما أراد هؤلاء، والقائمون بإجماع أهل المدينة، إلا أن هذه البقاع قد جمعت فى زمن الصحابة أهل الحل والعقد. ثم بين الغزالى أن ذلك غير مسلم، (192) ولم يبين الغرالى من هم القائلون بذلك.
وجاء فى هداية العقول، من كتب أصول الزيدية: " حكى الأمدى وغيره عن بعض، القول بأن إجماع أهل الحرمين والمصرين حجة على غيرهم، وقيل: بل إجماع البصرة والكوفة فقط، حكاه الشيخ أبو إسحاق فى اللمع.
وقيل: إجماع أهل الكوفة وحدها كما نقل عن حكاية ابن حزم.
وقيل: إجماع البصرة وحدها، كما نقله بعض شراح المحصول " (193) .
وقال الشوكانى فى إرشاد الفحول: وقد زعم بعض أهل الأصول أن إجماع أهل الحرمين والمصرين حجة، ولا وجه لذلك، وقد قدمنا قول من قال بحجية إجماع أهل المدينة، فمن قال بذلك فهو قائل بحجية إجماع أهل مكة والمدينة والمصرين من باب أولى.
قال القاضى: وإنما خصوا هذه المواضع لاعتقادهم تخصيص الإجماع بالصحابة، وكانت هذه البلاد مواطن الصحابة ما خرج منها إلا الشذوذ.
قال الزركشى: وهذا صريح بأن القائلين بذلك لم يعمموا فى كل عصر، بل فى عصر الصحابة فقط.
قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازى: قيل إن المخالف أراد زمن الصحابة والتابعين، فإن كان هذا مراده فمسلم لو اجتمع العلماء فى هذه البقاع، ولكنهم لم يجتمعوا فيها (194) .
وجمهور الأصوليين على غير هذا الرأى، ولم يقل بذلك أحد من المذاهب التى تقول بالإجماع والحجة فى ذلك أنهم بعض الأمة، والأدلة التى ثبتت بها حجية الإجماع متناولة لأهل الحل والعقد كلهم كما سبق.
تاسعا: إجماع الأكثر
مع مخالفة الأقل
اختلف العلماء فى انعقاد إجماع الأكثر مع مخالفة الأقل، ومنهم من يعبر عن ذلك بندرة المخالف أى قلته غاية القلة، كإجماع من عدا ابن عباس على العول مع مخالفته فيه، وإجماع من عدا أبا موسى الأشعرى على أن النوم ينقض الوضوء مع مخالفته فى ذلك، وإجماع من عدا أبا طلحة على أن كل البرد يفطر، مع مخالفته فى ذلك.
فذهب الأكثرون إلى أنه لا ينعقد. قال الآمدى فى تأييد هذا المذهب:
والمختار مذهب الأكثرين، ويدل عليه أمران:
الأول: أن التمسك فى كون الإجماع حجة إنما هو بالأخبار الواردة فى السنة، الدالة على عصمة الأمة وعند ذلك فلفظ " الأمة " فى الأخبار يحتمل أنه أراد به كل الموجودين من المسلمين فى أى عصر كان، أى جميع أهل الحل والعقد منهم، ويحتمل أنه أراد به الأكثر كما يقال: بنو تميم يحمون الجار ويكرمون الضيف والمراد به الأكثر، لكن حمله على الأكثر بطريق المجاز، ولا يصار إلى المجاز مع إمكان الحقيقة، ولهذا يصح أن يقال إذا شذ عن الجماعة واحد، ليمس هم كل الأمة، ولا كل المؤمنين بخلاف ما إذا لم يشذ منهم أحد، وعلى هذا فيجب حمل لفظ " الأمة " على الكل.