وهناك مناقشات غير ذلك بين الحنفية والشافعية لا نطيل بذكرها ويمكن معرفتها بالرجوع إلى شرح النسفى على المنار للحنفية (129) .
وشرح الإسنوى على المنهاج للشافعية (130) :
2- وهناك فرع يذكر بعد ذلك وخلاصته، كما ذكره الإسنوى: " إذا قال بعض المجتهدين قولا ولم ينتشر ذلك القول بحيث يعلم أنه بلغ الجميع، ولم يسمع من أحد ما يخالفه، فهل يكون كما إذا قال البعض وسكت الباقون عن إنكاره أم لا.
اختلفوا فيه كما قاله فى المحصول، فمنهم من قال: يلحق به، لأن الظاهر وصوله إليهم، ومنهم من قال: لا يلحق به، لأنا لا نعلم هل بلغهم أم لا "، واختاره الآمدى.
ومنهم من قال: إن كان ذلك القول فيما تعم به البلوى أى فيما تمس الحاجة إليه، فيكون كقول البعض وسكوت الباقين، لأن عموم البلوى يقتضى حصول العلم به، وإن لم يكن كذلك فلا لاحتمال الذهول عنه، قال الإمام: وهذا التفصيل هو الحق " (131) .
من هم أهل الإجماع
المراد بأهل الإجماع من يعتبر إجماعهم إذا اتفقوا على أمر من الأمور فى عصر من الأعصار ويعتد بمخالفتهم إذا خالفوا فلا ينعقد الإجماع مع مخالفتهم.
وقد قدم الغزالى فى المستصفى لهذا الموضوع بمقدمة فقال: " الركن الأول من ركنى الإجماع المجمعون وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وظاهر هذا يتناول كل مسلم،، لكن لكل ظاهر طرفان واضحان فى النفى والإثبات، وأوساط متشابهة:
أما الواضح فى الإثبات فهو كل مجتهد مقبول الفتوى، فهو من أهل الحل والعقد قطعا، ولابد من موافقته فى الإجماع، وأما الواضح فى النفى، فالأطفال والمجانين والأجنة، فإنهم وإن كانوا من الأمة فنعلم أنه عليه الصلاة والسلام ما أراد بقوله: " لا تجتمع أمتى على الخطأ " إلا من يتصور منه الوفاق والخلاف فى المسألة بعد فهمها، فلا يدخل فيه من لا يفهمها، وبين الدرجتين العوام المكلفون، والفقيه الذى ليس بأصولى، والأصولى الذى ليس بفقيه، والمجتهد الفاسق، والمبتدع، والناشىء من التابعين مثلا، إذا قارب رتبة الاجتهاد فى عصر الصحابة " (132) .
ثم أفرد الغزالى لكل من هؤلاء الذين ذكر أنهم بين الدرجتين بحثا.
ونحن نتبع ترتيبه، مفردين لكل منهم بحثا، غير متقيدين برأى الغزالى وحده فى الموضوع:
أولا: دخول العوام فى الإجماع
يرى الغزالى أنه " يتصور دخول العوام فى الإجماع، فإن الشريعة تنقسم إلى ما يشترك فى دركه العوام والخواص كالصلوات الخمس، ووجوب الصوم، والزكاة، والحج، فهذا مجمع عليه، والعوام وافقوا الخواص فى الإجماع، وإلى ما يختص بدركه الخواص، فتفصيل أحكام الصلاة والبيع والتدبير والاستيلاد، فما أجمع عليه الخواص فالعوام متفقون على أن الحق فيه ما أجمع عليه أهل الحل والعقد لا يضمرون فيه خلافا أصلا، فهم موافقون أيضا فيه، ويحسن تسمية ذلك إجماع الأمة قاطبة.
فإذا كل مجمع عليه من المجتهدين فهو مجمع عليه من جهة العوام وبه يتم إجماع الأمة.
فإن قيل: فلو خالف عامى فى واقعة أجمع عليها الخواص من أهل العصر، فهل ينعقد الإجماع دونه؟
إن كان ينعقد فكيف خرج العامى من الأمة، وإن لم ينعقد فكيف يعقد بقول العامى؟
قلنا: قد اختلف الناس فيه، فقال قوم:
لا ينعقد، لأنه من الأمة فلابد من تسليمه بالجملة أو بالتفصيل.
وقال آخرون- وهو الأصح- إنه ينعقد بدليلين:
أحدهما: إن العامى ليس أهلا لطلب الصواب، إذ ليس له آلة هذا الشأن، فهو كالصبى والمجنون فى نقصان الآلة، ولا يفهم من عصمة الأمة من الخطأ إلا عصمة من يتصور منه الإصابة، لأهليته.
والثانى- وهو الأقوى- أن العصر الأول من الصحابة قد أجمعوا على أنه لا عبرة بالعوام فى هذا الباب، أعنى خواص الصحابة وعوامهم، ولأن العامى إذا قال قولا علم أنه يقوله عن جهل، وأنه ليس يدرى ما يقول، وأنه ليس أهلا للوفاق والخلاف فيه، وعن هذا لا يتصور صدور هذا من عامى عاقل، لأن العاقل يفوض مالا يدرى إلى من يدرى (133) .