تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مصيب " (68) .

ويقول الشوكانى بعد أن أورد مناقشات الموافقين والمخالفين فى دلالة هذه الآية: " ولا يخفاك ما فى هذه الأجوبة من الضعف - يريد أجوبة المستدلين بالآية على ما أثير عليهم من اعتراضات- وعلى كل حال فليس فى الآية دلالة على محل النزاع أصلا، فإن ثبوت كون أهل الإجماع بمجموعهم عدولا لا يستلزم أن يكون قولهم حجة شرعية، فإن ذلك أمر إلى الشارع لا إلى غيره، وغاية ما فى الآية أن يكون قولهم مقبولا إذا أخبرونا عن شىء من الأشياء، وأما كون اتفاقهم على أمر دينى يصير دينا ثابتا عليهم وعلى من بعدهم إلى يوم القيامة فليس فى الآية ما يدل على هذا، ولا هى مسوقة لهذا المعنى ولا تقتضيه بمطابقة ولا تضمن ولا التزام " (69) .

يريد أنها لا تقتضيه بأى وجه من وجوه الدلالة الثلاثة المعروفة.

ولذلك أسقط الاستدلال بهذه الآية بعض المؤلفين مع شدة تمسكهم بالحجية كابن الحاجب فى مختصره، وابن قدامة الحنبلى فى روضة الناظر، وأوردها بعضهم معقبا بأن الاستدلال بها لا يفيد قطعا ولا ظنا قويا (70) ، وبعضهم معقبا أنها لا تفيد إلا ظنا (71) .

الآية الثالثة قوله تعالى: " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن

المنكر " (72)

والاستدلال بها من حيث أنها جملة خبرية تصفهم بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، والألف واللام فى المعروف والمنكر للعموم لأنها داخلة على اسم جنس، فهم إذن يأمرون بكل معروف، وينهون عن كل منكر، فمن خالف فيما أمروا به أو نهوا عنه فقد خالف طريقتهم، فيكون مبطلا وضالا " فماذا بعد الحق إلا الضلال " (73) .

وأيضا: لو أجمعوا على الخطأ لكانوا آمرين بالمنكر وناهين عن المعروف، وهو خلاف المنصوص (74) .

وقد نوقش هذا الاستدلال كذلك بما لا نطيل بذكره، وفيه يقول الشوكانى: " ولا يخفاك أن الآية لا دلالة لها على محل النزاع لأن اتصافهم بكونهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لا يستلزم أن يكون قولهم حجة شرعية تصير دينا ثابتا على كل الأمة، بل المراد أنهم يأمرون بما هو معروف فى هذه الشريعة، وينهون عما هو منكر فيها.

فالدليل على كون ذلك الشىء معروفا أو منكرا هو الكتاب أو السنة، لا إجماعهم، غاية ما فى الباب أن إجماعهم يصير قرينة على أن فى الكتاب أو السنة ما يدل على ما أجمعوا عليه، وأما أنه دليل بنفسه فليس فى هذه الآية ما يدل على ذلك " (75) .

الآية الرابعة قوله تعالى: " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " (76) .

" ووجه الاحتجاج بها أنه تعالى نهى عن التفرق، ومخالفة الإجماع تفرق، فكان منهيا عنه، ولا معنى لكون الإجماع حجة سوى النهى عن مخالفته " (77) .

وقد أعقب الآمدى بيان الاحتجاج بذكر ما ورد عليه من المناقشات والإجابة عن كل منها (78) .

الآية الخامسة قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم، فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا" (79) .

ووجه الاحتجاج بالآية أنه شرط التنازع فى وجوب الرد إلى الكتاب والسنة، والمشروط ينعدم عند عدم الشرط. وذلك يدل على أنه إذا لم يوجد التنازع فالاتفاق على الحكم كاف عن الكتاب والسنة ولا معنى لكون الإجماع حجة سوى هذا " (80) .

وقد عقب الآمدى بذكر ما نوقش به هذا الدليل أيضا، وما رد به على المناقشة.

وبهذا انتهى المسلك الأول وهو الاستدلال بالكتاب على حجية الإجماع.

وقد علق الآمدى على هذا المسلك بقوله " واعلم أن التمسك بهذه الآيات، وإن كانت مفيدة للظن فغير مفيدة للقطع، ومن زعم أن المسألة قطعية، فاحتجاجه فيها بأمر ظنى غير مفيد للمطلوب، وإنما يصح ذاك على رأى من يزعم أنها اجتهادية ظنية" (81) .

وعلق الغزالى على مسلك الاستدلال بالآيات أيضا بقوله: " فهذه كلها ظواهر لا تنص على الغرض بل لا تدل أيضا دلالة الظواهر " (82) .

موسوعة الفقه المصرية · الصفحة ٤١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الفقه المصريةص ٤١٩