كما قال: وإن مات قبل إحراق رحله لم يحرق لأنها عقوبة فتسقط بالموت كالحدود ولأنه بالموت انتقل إلى ورثته فإحراقه عقوبة لغير الجانى وإن باع رحله أو وهبه احتمل ألا يحرق لأنه صار لغيره. فأشبه ما لو انتقل عنه بالموت، واحتمل أن ينقض البيع والهبة ويحرق لأنه تعلق به حق سابق على البيع أو الهبة فوجب تقديمه.
وإن كان الغال صبيا لم يحرق متاعه لأن الإحراق عقوبة وهو ليس أهلا للعقوبة. وإن كان عبدا لم يحرق متاعه أيضا لأن المتاع لسيده فلا يعاقب سيده بجناية عبده وإن غلت امرأة أو ذمى أحرق متاعهما لأنهما من أهل العقوبة، وإن أنكر الغلول وذكر أنه ابتاع ما بيده لم يحرق متاعه حتى يثبت غلوله ببينة أو إقرار.
الإحراق فى القتال
إحراق حصون الكفار وإرسال النار عليهم بالمجانيق وغيرها:
مذهب الحنفية:
قال الحنفية (30) : لا بأس بأن يحرق المسلمون حصون الكافرين وأن ينصبوا المجانيق عليهم لقول الله تعالى" يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين " (31) ، ولأن كل ذلك من باب القتال لما فيه من قهر العدو والنكاية فيه وغيظه، ولأن حرمة الأموال لحرمة أربابها، فكذلك لا تكون ثمة حرمة لأموالهم. وكذلك لما ذكره الزهرى من أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر بقطع نخيل بنى النضير وتحريقها فأنزل الله قوله: " ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله" (32) ، أى أن القطع جائز بإذن الله، ففى هذا بيان أنه كان فيه غيظ لهم وقد أمرنا به لقوله تعالى: (ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح ((23) .
وكذلك فقد أمر بحرق قصر عوف بن مالك النضرى بأوطاس.
وكره بعض الحنفية ذلك لما ذكره أبو بكر فى وصيته ليزيد بن أبى سفيان ألا يقطعوا شجرة ولا يخربوا ولا يفسدوا، لقوله تعالى: (وإذا تولى سعى فى الأرض ليفسد فيها ((34) .
وقال ابن عابدين: أن الإحراق فى الأصل ممنوع لأنه لا يعذب بالنار إلا ربها. ولكن تحرق الدابة إذا شق نقلها وكانوا ينتفعون لا لو عقرت أو ذبحت، كما تحرق الأسلحة والأمتعة إن تعذر حملها، ويدفن ما لا يحرق بموضع خفى.
مذهب المالكية:
وقال المالكية (35) بجواز التخريب وقطع النخل والحرق إن أنكأ العدو. وأنه لا بأس أن ترمى حصونهم بالمجانيق وأن تحرق فى قراهم وحصونهم بالنار، وذلك إذا لم يكن غير النار وسيلة، وكنا إذا تركناهم خفنا على المسلمين، وأما إذا لم نخف، فقد اختلف الرأى فى جواز إحراق المحاربين بالنار إذا انفردوا ولم يمكن قتلهم إلا بالنار. فقال رأى بجواز ذلك. وقال رأى بعدم جوازه، ما دام لا خوف عليهم من المسلمين.
وقال ابن رشد: أنه يجوز أن يرمى من فى الحصون بالنار إذا لم يكن فيها إلا المقاتلة.
والرأى الظاهر: أن ذلك مندوب لما فيه من غيظ العدو، فقد روى أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر بقطع نخل بنى النضير فأنزل الله: (ما قطعتم من لينة (فهى دالة على إباحة القطع، ولا حرج فى الترك.
وقال مالك: الظاهر الأفضل أن القطع أولى من الترك لما فيه من إذلال العدو وصغارهم ونكايتهم لقوله تعالى: (ولا ينالون من عدو نيلا (.
مذهب الشافعية:
وقال الشافعية (36) : فى ذلك أنه يجوز حصار الكفار فى البلاد والقلاع ورميهم بنار أو منجنيق أو غيرهما. وقالوا: إنه يجوز إحراق ما لا روح له. أما ما له روح من حيوان فإن قتله محرم لأنه يألم مما أصابه، إلا أن يذبح فيؤكل ولا يحل قتله لمغايظة العدو لقوله صلى الله عليه وسلم: " من قتل عصفورا فما فوقها بغير حقها، سأله الله عنها "، ولا تحرق حشرة النحل لأنها ذات روح.
وإذا تحصن أهل الحرب بحرم مكة امتنع قتالهم بما يعمهم وغيرهم، وكذا حصارهم تعظيما للحرم، فإذا قامت ضرورة لذلك جاز. وإذا رموا بالمنجنيق فارتد الرمى ورجع وأصاب أحد رجال جيش المسلمين ممن يرمون به، أو غيرهم، فقتله فديته على عواقل الذين رموا بالمنجنيق. فإن كان المصاب أحد الرماة الذين رموا به رفعت حصته من الدية.