ومذهب الحنابلة كمذهب الحنفية أيضا (68) ، ومذهب المالكية كمذهب الحنفية فى ذلك أيضا لأنهم إنما استثنوا من وجوب القتل قصاصا الأب فقط فى حالة خاصة وهى ما إذا لم يقصد إزهاق روح ابنه أما الابن فإنه كغيره (69) .
ومذهب الزيدية كمذهب الحنفية أيضا (70) . ويرى فقهاء الإمامية أن الابن إذا قتل أباه فإن هذا القتل يوجب القود متى وجد التكافؤ فى الدين والحرية، فيقتل الابن بوالده إلا إذا كان الابن مسلما والأب كافرا أو الابن حرا والأب رقيقا، فلا يقتل الابن لعدم التكافؤ فى الدين والحرية (71) . ويرى فقهاء الإباضية أن الولد إذا قتل أحد أبويه قتلا يوجب القصاص فإنه يقتل بهما، فقد نصوا: على أنه يقتل الولد بهما أى بالأب والأم (72) .
وقال ابن حزم من فقهاء الظاهرية: ولا قود على مجنون فيما أصاب من جنونه، ولا على سكران فيما أصاب من سكره المخرج له من عقله، ولا على من لم يبلغ، ولا على أحد من هؤلاء دية ولا ضمان، وهؤلاء والبهائم سواء، لما ذكرنا فى الطلاق وغيره من الخبر الثابت فى رفع القلم عن الصبى حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يعقل، والسكران حتى يفيق، والحق المتيقن فى هذا أن الأحكام لازمة لكل بالغ حتى يوقن أنه ذاهب العقل جنون أو سكر وأما ما لم يوقن ذلك فالأحكام له لازمة، وظاهر مما تقدم أن ابن حزم يرى أنه لا قود على القاتل عمدا إذا كان عديم الأهلية لصغر أو جنون أو سكر، ومن عداه يجب عليه القود، لا فرق فى ذلك بين الابن وغيره، وإذا فالابن إذا قتل أباه فإن هذا القتل يوجب القود (73) .
إرث الابن ولاية الدم على أبيه:
قال فقهاء الحنفية إذا ورث الابن قودا على أبيه سقط القود، سواء فى ذلك قود النفس وما دونها فإذا قتل الأب أخ امرأته ثم ماتت المرأة قبل أن يقتص منه فإن ابنها منه يرث القصاص الذى لها على أبيه، ويسقط القصاص فى هذه الحالة لحرمة الأبوة، وكذلك إذا قتل الأب زوجته عمدا ليس لابنه منها أن يطلب القصاص منه بل يسقط القصاص وكذلك إذا قطع يدها عمدا (74) .
ومذهب الشافعية والحنابلة كمذهب الحنفية (75)
ومذهب المالكية أن الابن إذا ورث القود على أبيه لا يسقط هذا القود لأن الأب إذا قصد قتل ابنه حقيقة أو حكما فإنه يقتص منه، فأولى إذا قصد قتل أم ابنه عمدا عدوانا (76) .
ومذهب الزيدية كمذهب الحنفية فى ذلك إذ نصوا على أنه إذا كان المقتول أو ولى الدم فرعا فلا يجب القود، فإذا قتلت المرأة زوجها أو ابن ابنها أو أخاه أو عمه، وولاية القصاص أو بعضه إلى ابنها، لم يكن لولدها أن يقتلها (77) .
وذهب ابن حزم من فقهاء الظاهرية إلى أن الابن إذا ورث القود على أبيه فإن هذا القود لا يسقط لأنه يرى أن الأب إذا قتل ابنه عمدا فإن هذا الفتل يوجب القود، وقد تقدم بيان ذلك، فأولى إذا قتل الأب أم ابنه عمدا.
حد الابن بالسرقة من أحد أبويه:
قال فقهاء الحنفية لا يحد الابن إذا سرق من أحد أبويه ولو كان المسروق مال غيرهما، وليس هذا الحكم خاصا بوصف البنوة والأبوة، بل الأصل فيه أن السرقة من ذى الرحم المحرم لا توجب الحد، لأن حد السرقة- أى قطع اليد- لا يجب إلا بأخذ المال وهتك الحرز، وهتك الحرز هنا غير موجود، لوجود الإذن بالدخول عادة ولهذا يدخل الرحم المحرم من غير استئذان فلا يبقى المال محرزا فى حق السارق، فانتفى شرط القطع وإذا سرق الابن مال أحد أبويه من بيت أجنبى فهل هذه السرقة توجب الحد؟ قالوا: إن سرقة مال ذى الرحم المحرم من بيت غيره توجب القطع لوجود الحرز وهذا بعمومه يفيد أن سرقة الابن مال أحد أبويه من بيت أجنبى توجب القطع، ولكن الإمام الزيلعى- رضى الله عنه- يقول: (وينبغى ألا يقطع فى الولاء لما ذكرنا من الشبهة فى ماله) أى أنه يرى أنه لا قطع فى سرقة الفرع مال أصله ولا فى سرقة الأصل مال فرعه لوجود الشبهة بالنسبة للمال، وإذا سرق الابن من أحد أبويه رضاعا فهذه السرقة توجب الحد. وروى عن أبى يوسف- رضى الله عنه- أن السرقة من الأم رضاعا لا توجب الحد لأنه يدخل عليها من غير استئذان فبينهما انبساط فى دخول المنزل وهذا كاف لدرء الحد، والراجح فى المذهب هو وجوب الحد لأن المحرمية بدون القرابة لا تحترم، ولذلك فإن السرقة من الأخت رضاعا توجب القطع إجماعا، وأيضا فإن الرضاع اشتهاره قليل عادة فلا انبساط بينهما تحرزا عن موقف التهمة، بخلاف الأم من النسب فإن النسب أمر يشتهر، فالانبساط متحقق لا محالة (78) .