الدليلُ الرَّابعُ:
[أن واقع عمل التابعين يؤيد ما ذهب إليه مسلم، ونقض ذلك]
وهو أيضًا خاصٌّ، وهو كالتَّتميمِ لِلثَّانِي؛ لأنَّه تمثيلٌ له إلَّا أنَّ / ذلك تمثيلٌ في الصّحابةِ وهذا تمثيلٌ في التَّابعينَ، وكلاهما بالحقيقةِ جزءٌ مِن الدليلِ الثَّانِي.
قولُهُ: «وهذا أبو عثمانَ النَّهديُّ وأبو رافعٍ الصَّائغُ وهما ممَّن أدركَ الجاهليةَ وصحبَا أصحابَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم _الفصل؛ إلى قولِهِ:_ فكلُّ هؤلاءِ مِن التَّابعينَ الذينَ نصبْنَا روايَتَهم عِن الصَّحابةِ الذين سَمَّيْنَاهم لم يحفظْ عنهم سماعٌ علمْنَاه منهم في روايةِ بِعينِهَا، ولا أنهم لَقُوهم في نفسِ خبرٍ بِعينِهِ .. . الكلامُ إلى آخرِهِ الذي اشتدَّ فيه بالإنكارِ على قائلِهِ وحَمَلَ عليه أشدَّ الحملِ.
ص 148
ولعلَّه لم يعلمْ أنَّه قولُ ابنِ المدينيِّ والبخاريِّ، وكأنَّه إنَّمَا تَكَلَّمَ مع بعضِ أقرانِهِ أو مَنْ دونَهُ ممَّن قال بذلك المذهبِ والله أعلمُ؛ فإنَّه لو عَلِمَه لكفَّ مِن غربِهِ وخَفَضَ لهما الجنَاحَ ولم يُسَمِّهِمَا الكفاحَ.
و حاصلُ هذا الدليلِ الرَّابعِ: ادعاءُ الإجماعِ أيضًا، على قبولِ أحاديثِ التَّابعينَ الثِقاتِ السَّالمينَ مِن وصمةِ التَّدليسِ إذا عنعنُوا عِن الصَّحابةِ الذين ثَبَتَتْ معاصرَتُهم لهم وإنْ لم يُعْلَمِ اللِّقاءُ ولا السَّماعُ كما أُصِّلَ ذلك في أحاديثِ الصَّحابةِ رضوان الله عليهم.
ولنا عن هذا الدليلِ أَجْوِبَةٌ ثلاثةٌ:
الأوَّلُ: نَقْضُ الإجماعِ بما تقدَّمَ مِن نقْلِ ذلك عمَّن عُلِمَ.
الثَّانِي: أنَّ هؤلاءِ الذين سَمَّيْتَ ممَّن عُلِمَ سماعُ بعضِهِم مِن بعضٍ عندَ مَن أثبتَ صحّةَ حديثِهم.
ص 149
أَلَا ترَى أنَّ أبا الحسنِ عليَّ / بنَ المدينيِّ قد قال في كتابِ «التّاريخِ» له: أبو عثمانَ النَّهديُّ عبدُ الرّحمنِ بنُ مَلٍّ، وكان جاهليًا ثقةً، لقي عمرَ، وابنَ مسعودٍ، وأبا بكرةَ، وسعدًا، وأسامةَ، وروَى عن عليٍّ، وأبِي موسَى، وعن أُبَيِّ بنِ كعبٍ؛ وقال في بعضِ حديثِهِ: حدَّثَنِي أُبَيُّ بنُ كعبٍ، وقد أدركَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم. انتهى.
فقد نصَّ عليُّ أنَّه يقولُ في بعضِ حديثِهِ: حدَّثَنِي أُبَيُّ بنُ كعبٍ، فمِنْهُ ما اطَّلعْنَا عليه، ومنه ما لم نَطَّلِعْ عليه حسبَما نبيِّنُ إن شاء الله تعالى.
الثَّالثُ: أنَّ هذه أمثلةٌ خاصَّةٌ لا عامةٌ، جزئيةٌ لا كليةٌ، يمكنُ أن تَقْتَرِنَ بها قرائنُ تُفْهِمُ اللقاءَ أو السَّماعَ كمن سَمَّيْتَ ممَّن أدركَ الجاهليةَ ثمّ أسلمَ بعدَ موتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وصَحِبَ البدريينَ فمَنْ بعدَهم، فهذا يَبْعُدُ فيه ألَّا
ص 150
يكونَ سمع ممَّن رَوَى عنه _ وإنْ جوَّزْنَا أنَّه لم يسمعْ منه _ قلْنَا: الظَّاهر: روايتُهُ عن الصَّحابةِ، والإرسالُ لا يضرُّه كما قدَّمْنَا مِن الجوابِ عن الدليلِ الثَّالثِ؛ على أنَّ الإمامَ الحافظَ أبَا حاتمٍ البُسْتِيَّ قد طرَّد هذا الحكمَ فيمَن تحقَّقَ منه أنَّه لا يُرسِلُ إلَّا عن ثقةٍ.
قال رحمه الله: وأمَّا المدلِّسون الذين هم ثقاتٌ عدولٌ فإنَّا لا نَحْتَجُّ بأخبارِهم إلَّا ما بيَّنُوا السَّماعَ فيما روَوْا مثلُ: الثَّوريِّ، والأعمشِ، وأبي إسحاقَ وأضرَابِهم مِن الأئمةِ المتقنينِ، وأهلِ الورعِ في الدِّين، لأنَّا متىَ قَبِلْنَا خبرَ مدلِّسٍ لم يبيِّنِ السَّماعَ فيه وإنْ كان ثقةً؛ لَزِمَنَا قبولُ / المقاطيعِ والمراسيلِ كلِّها، لأنَّه لا يُدْرَى لعلَّ هذا المدلِّسَ دلَّسَ هذا الخبرَ عن ضعيفٍ يَهِي الخبرُ بِذكرِهِ إذَا عُرِفَ، اللَّهمّ إلَّا أن يكونَ المدلِّسُ يعلمُ أنَّه ما دلَّس قطُّ إلَّا عن ثقةٍ، فإذا كان كذلك قُبِلَتْ روايتُهُ وإنْ لم يبيِّنِ السَّماعَ، وهذا شيءٌ ليس في الدُّنيَا إلَّا سفيانُ بنُ عيينةَ وحدَهُ، فإنَّه كان يدلِّسُ ولا يدلِّسُ إلَّا عن ثقةٍ متقنٍ ولا يكاد يوجدُ لسفيانَ بنِ عيينةَ خبرٌ دلَّس فيه إلَّا وُجِدَ ذلك الخبرُ بِعينِهِ قد بَيَّنَ سماعَهُ فيه عن ثقةٍ. فالحكمُ في قبولِ روايتِهِ لهذه العلِّةِ وإنْ لم يبيِّنِ السَّماعَ فيها كالحكمِِ في روايةِ ابنِ عبَّاسٍ إذا رَوَى عن النَّبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم ما لم يسمعْ منه. انتهى ما قاله أبو حاتمٍ.
فهذه الأمثلةُ التي أَتَيْتَ بها أيَّها الإمامُ كلَّها جزئياتٌ، والحكمُ على
ص 151
الكليَّاتِ بِحكمِ الجزئياتِ لا يَطَّرِدُ؛ فقد يكونُ لكلِّ حديثٍ حديثٍ حكمٌ يَخُصُّهُ، فيُطَّلَعُ فيه على ما يُفْهِمُ اللقاءَ أو السَّماعَ، ويُثِيرُ ظنًّا خاصًّا في صحةِ ذلك الحديثِ فيُصَحَّحُ اعتمادًا على ذلك لا مِنْ مجردِ العنعنةِ.
ومثلُ هذَا أيُّها الإمامُ لا تقدرُ على إنكارِهِ وقد فعلْتَ في كتابِك مثلَهُ من رَعْيِ الاعتبارِ بالمتابعاتِ والشَّواهدِ، وذلك مشهورٌ عند أهلِ الصَّنعةِ فيُتْبِعُونُ ويَسْتَشْهِدُونَ بِمَنْ لا يُحتمَلُ انفرادُهُ؛ ومثلُ ذلك لا يُنكَرُ في الفقهِ وأصولِهِ.
وقد فعلْتَ أنتَ أيُّها الإمامُ ما هو أشدُّ مِن ذلك في كتابِكَ/ «المسندُ الصَّحيحُ» حيث أدخلْتَ فيه أسباطَ بنَ نصرٍ، وقَطَنَ بنَ نُسَيْرٍ، وأحمدَ بنَ عيسَى المصريَّ.
فاعترضَ فعلَكَ أبو زرعةُ الرَّازيُّ وأنكرَ عليك، فاعتذرْتَ حينَ بَلَغَكَ إنكارُهُ فيما ذَكَرَهُ الحافظُ الثّقةُ الإمامُ أبو بكرٍ البِرْقَانِيُّ، عن الحسينِ بنِ يعقوبَ الفقيهِ قال: حدَّنا أحمدُ بنُ طاهرٍ المْيانجِيُّ: حدَّثنا أبو عثمانَ سعيدُ بنُ عمرٍو قال: شهدْتُ أبا زرعةَ الرّازيَّ _ وذكر قصةً فيها طولٌ اختصرْتُهَا، قال فيها _: وأتاه ذات يومٍ رجلٌ بكتابِ «الصّحيحِ» لمسلمٍ فجعلَ ينظرُ فيه؛ فإذَا حديثٌ عن أسباطِ بنِ نصرٍ. فقال لي أبو زرعةَ: ما أبعدَ هذا مِن الصحيحِ؛ يُدْخِلُ في كتابِهِ أسباطَ بن نصرٍ؟! ثم رأَى في الكتابِ قَطَنَ بنَ نُسيرٍ. فقال لي: وهذا أَطَمُّ مِن الأوَّلِ،
ص 152
قَطَنُ بنُ نسيرٍ؛ وَصَلَ أحاديثَ عن ثابتٍ جَعَلَها عن أنسٍ. ثم نظرَ فقال: يروِي عن أحمدَ بنِ عيسَى المصريِّ في كتابِهِ «الصحيح»؟! قال لي أبو زرعةَ: ما رَأَيْتُ أهلَ مصرَ يشكُّونَ في أنَّ أحمدَ بنَ عيسَى _ وأشارَ أبو زرعةَ إلى لسانِهِ _كأنَّه يقولُ الكذبَ.
ثم قال لي: يُحَدِّثُ عن هؤلاءِ ويتركُ محمَّدَ بنَ عجلانَ ونُظَرَاءَهُ! قال: فلمَّا رجعْتُ إلى نيسابورَ في المرةِ الثَّانيةِ ذكرْتُ لمسلمِ بنِ الحجَّاجِ إنكارَ أبي زرعةَ عليه ذلك. فقال لي مسلمٌ: إنَّما قلْتُ: صحيح؛ وإنَّما أَدْخَلْتُ مِن حديثِ أسباطِ بنِ نصرٍ وقطنٍ وأحمدَ ما قد رَوَاه الثِّقاتُ عن شيوخِهِمْ؛ إلَّا أنَّه / ربَّما وَقَعَ إليَّ عنهم بارتفاعٍ ويكونُ عندِي مِن روايةِ أَوْثَقَ منهم بِنُزُولٍ، فأقتصرُ على أولئكَ، وأصلُ الحديثِ معروفٌ مِن روايةِ الثِّقاتِ.
انتهى ما أوردْنَا مِن الحكايةِ، وبعضُها منقولٌ بالمعنى، ذَكَرَها عن البرقانيِّ الحافظُ المتقنُ أبو عبدِ اللهِ محمَّدُ بنُ إسماعيلَ الأَوْنَبِيُّ في كتابِ «المنتقى» له. وقرأْتُ ذلك بخطِّهِ، وضَبَطَ قولَهُ: «إنَّما قلْتُ صحيحٌ» بضمِّ التَّاءِ على التكلُّمِ، وكتبَ: «إنَّما» متصلةٌ على أنَّها الحصريةُ فإنْ صحَّ هذا الضبطُ فيكونُ معناه: «إنَّما قلْتُ: صحيحٌ»، أي صحيحٌ عندِي ولم أقلْ مِن هذا الطَّريقِ، فيكون في الكلامِ حذفٌ، وهذا المعنى عندِي فيه بُعْدٌ؛ والأقربُ فيما أَرَاه: إنَّ ما قلْتَ صحيحٌ،
ص 153
بِتاءِ الخطابِ، و «ما» بمعنى: «الذي»، أي إنَّ الذي قلْتَهُ مِن إنكارِ أبي زرعةَ صحيحٌ مِن أجل هؤلاءِ الرُّواةِ. ثم أَبْدَى وجهَ العذرِ وأَتَى بـ «إنَّما» التي للحصرِ في قولِهِ: «وإنَّما أدخلْتُ».
وهذا المعنى الذي قصدْتُهُ إنْ عُدَّ مخلصًا بالنظرِ إليك فيما يلزمُك التطوُّقِ به؛ حيثُ غَلَبَ على ظنِّك صحَّتُهُ فلا يلزمُ غيرَك ممَّن يَجتهِدُ في الرِّجالِ. نعم يكونُ صحيحًا في حقَّ مَن يكتفِي بتقليدِكَ _وإنَّك لَخَلِيقٌ بذلك_ مِن الفقهاءِ أو المحدِّثينَ ممَّن لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ في معرفةِ الصحيحِ والسقيمِ.
و قد نحِا نحوًا مِن مذهبِك الإمامُ أبو حاتمٍ البُستيُّ فيما حكَى عن نفسِهِ في صدرِ كتابِهِ الذي وَسَمَهُ بكتابِ «المسندُ الصَّحيحُ / على التقاسيمِ والأنواعِ مِن غيرِ وجودِ قطعٍ في سندِهَا ولا ثبوتَ جَرْحٍ في ناقلِيهَا» ما نَصُّهُ: إذَا صحَّ عندِي خَبَرٌ مِن روايةِ مدلِّسٍ بأنَّه بيَّنَ السّماعَ فيه لا أُبَالِي أن أذكرَهُ مِن غيرِ بيانِ السَّماعِ في خبرِهِ بعد صحِّتِهِ عندِي مِن طريقٍ آخرَ. انتهى.
ص 154
فلا يُنكَرُ أيَّها الإمامُ المعتَمدُ أن يكونَ مَن قَبِلَ تلك الأحاديثَ وصحَّتْ عندَهُ واحتجَّ بها قد اعتمدَ نحوًا مِن هذا المسلكِ فلم يقبلْهَا بمجردِ العنعنةِ؛ بل بضميمةٍ إليها أفادتْهُ صحةَ اللقاءِِ والسَّماعِ، وإنْ لم يَقْتَرِنْ بها ذلك لفظًا.
وقد وقعَ للإمامِ أبي عبدِ اللهِ البخاريُّ في «جامعِهِ الصحيحِ» ما ينظرُ إلى هذَا المعنى، وهو ما ذكرَهُ في «كتابِ الصَّلاةِ» مِن كتابِهِ في بابِ: إذَا انفلتَتْ الدَّابَّةُ في الصَّلاةِ قال فيه: حدَّثنا آدمُ قال: حدَّثنا شعبةُ قال: حدَّثنا الأزرقُ بنُ قيسٍ قال: كنَّا بالأهوازِ نقاتلُ الحَروريَّةَ فبَيْنَا أنا على جُرُفِ نهرٍ إذَا رجلٌ يصلِي وإذَا لِجَامُ دابَّتِهِ بيدِهِ، فجعلَتِ الدَّابَّةُ تُنَازِعُهُ وجعلَ يتَّبعُها _ قال شعبةُ: هو أبو بَرْزَةَ الأسلميُّ _ فجَعَلَ رجلٌ مِن الخوارجِ يقولُ: اللَّهمَّ افعلْ بهذا الشيخِ. فلمَّا انصرفَ قالَ: إنِّي سمعْتُ قولَكم وإنِّي غزوْتُ مع رسولِ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم سِتَّ غزواتٍ أو سبعَ غزواتٍ أو ثَمَانٍ وشهدْتُ تيسيرَهُ، وإنِّي أنْ كنْتُ أنْ أَرْجعَ مع دابَّتِي أحبَّ إليَّ مِن أنْ أَدَعَهَا ترجعُ إلى مَأْلِفِهَا فيَشُقَّ عليَّ.
فهذا الأزرقُ بنُ قيسٍ/ _ وهو: الحارثيُّ البصريُّ، مِن بَلْحَارِثِ بنِ كعبٍ مِن التّابعينَ، قال أبو حاتمٍ فيه: صالحُ الحديثٍِ، وقال ابنُ
ص 155
معينٍ، والنَّسويُّ، وغيرُهما فيه: ثقةٌ_ لم يعرفْ أبا برزةَ، ولا يثبتُ قولُ قائلِ لا يُعْرَفُ صدقُهُ مخبرًا عن رسولِ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أنَّه سمعَهُ قال كذا، أو أنَّه رآه فعل كذا، إلَّا بعدَ ثبوتِ صحبتِهِ؛ أو ثبوتِ عدالتِهِ قبلَ أنْ يُخبِرَ أنَّه صاحبٌ، على نظرٍ في هذا القسمِ الآخرِ فإنَّه إذَا قال لنَا مَن عاصرَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ممَّن ثبتَ إسلامُهُ وعدالتُهُ: أنا صاحبٌ؛ صُدِّقَ وقُبِلَ قولُهُ وسُمِعَتْ روايتُهُ.
قال الإمامُ الفقيهُ المالكيُّ أبو عمرٍو بنُ الحاجبِ: ويحتملُ الخلافُ للاتهامِ بدعوَى رتبةٍ لنفسِهِ.
قلْتُ: لكنْ لمَّا ثبتَ عندَ شعبةََ أنَّ هذَا الرَّجلَ الذي نازَعَتْهُ دابَّتُهُ هو:
ص 156
أبو برزةَ الأسلميِّ، وهو معروفُ الصُّحبةِ والسَّماعِ مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم؛ ثَبَتَ الحديثُ وصحَّ. فلذلك أخرجَهُ البخاريُّ في «صحيحِهِ» فهذا حديثٌ صحَّ بِضميمةٍ.
وأبو برزةَ اُختلِفَ في اسمِهِ واسمِ أبِيهِ، فقيلَ: نَضْلَةُ بنُ عبيدٍ، قال بعضُ المتقنينَ: وعليه أكثرُ العلماءِ. وقيل: نضلةُ بنُ عائذٍ، وقيل: عبدُ اللهِ بنُ نضلةَ، وقيل غيرُ ذلك، وأصلُهُ مدنيٌّ نَزَلَ البَصرةَ، وعلى نحوٍ مَن هذا تأوَّلَ علماءُ الصَّنعةِ بعدَكما عليكُمَا _أعْنِيكَ والبخاريُّ_ فيما وَقَعَ في كتابَيْكما مِن حديثِ مَن علُمِ َبالتّدليسِ ممن لم / يبيِّنْ سماعَهُ في ذلك الإسنادِ الذي أخرجتمَا الحديثَ به، فظنُّوا بِكمَا
ص 157
ما ينبغِي مِن حسنِ الظنِّ والتماسِ أحسنِ المخارجِ وأصوبِ المذاهبِ، لتَقَدُّمِكُمَا في الإمامةِ وسعةِ علمِكما وحِفْظِكما وتمييزِكما ونقدِكما؛ أنَّ ما أَخْرَجْتُمُا مِن الأحاديثِ عن هذا الضربِ ممَّا عرفتُمَا سلامَتَهُ مِن التَّدليسِ.
وكذلك _ أيضًا _ حكمُوا فيما أخرجْتُمَا مِن أحاديثِ الثَّقاتِ الذين قد اختلطُوا، فحملُوا ذلك على أنَّه ممَّا رُوِيَ عنهم قبلَ الاختلاطِ، أو ممَّا سَلِمُوا فيه عند التَّحديثِِ، على نظرٍ في هذا القسمِ الآخرِ يَحْتاجُ إلى إمعانِ التَّأمُّلِ، فبعضٌ منها توصَّلُوا إلى العلمِ بالسَّلامةِ فيه بطبقةِ الرُّواةِ
ص 158
عنهم، وتمييزِ وقتِ سماعِهم، وبعضٌ أَشْكَلَ، وقد كان ينبغِي فيما أشكلَ أن يُتَوَقَّفَ فيه، لكنَّهم قَنَعُوا _أو أكثرُهم_ بإحسانِ الظنِّ بكما، فقَبِلُوهُ ظنًا منهم أنَّه قد بانَ عندَكما أَمْرُهُ، وحسبُنَا الاقتداءُ بما فعلُوا، ولزومُ الاتِّباعِ، ومجانبةُ الابتداعِ.
وقد سلَكَ أيضًا هذا المسلكَ أبو حاتمٍ البُستيُّ فقال في صدرِ كتابِه: وأمَّا المخْتَلِطُونَ في أواخرِ أعمارِهم مثلُ الجُرَيرِيِّ، وسعيدِ بنِ أبِي عَرُوبَةَ، وأشباهُهُمَا فإنَّا نَرْوِي عنهم في كتابِنا هذا، ونحتجُّ بما رَوَوا، إلَّا أنَّا لا نعتمدُ مِن حديثِهم إلَّا على ما رَوَى عنهمُ الثِّقاتُ مِن القدماءِ الذين يُعلَمُ أنَّهم سَمِعُوا منهم قبلَ اختلاطِهم، أو ما وافقُوا الثِّقاتَ مِن الرِّواياتِ التي لا شكَّ في صحتِها وثبوتِهَا مِن جهةٍ أخرَى، لأنَّ حكمَهم _ وإنْ اختلطُوا في أواخرِ أعمارِهم وحُمِلَ عنهم في اختلاطِهم / بعد تقدُّمِ عدالتِهم _ حكمُ الثِّقةِ إذَا أخطأَ أنَّ الواجبَ تركُ خطئِهِ إذَا عُلِمَ، والاحتجاجُ بما يُعْلَمُ أنَّه لم يُخْطِئ، وكذلك حكمُ هؤلاءِ الاحتجاجُ بهم فيما وافقُوا الثِّقاتَ، وما انْفَرَدُوا ممَّا روَى عنهم القدماءُ مِن الثِّقاتِ الذين كان سماعُهم منهم قبلَ الاختلاطِ سواء. انتهى ما قاله أبو حاتمٍ البُستيُّ.
وفي بعضِ كلامِه نظرٌ، فليسَا سواءً، وتشبيهُهُ بحالِ الثِّقةِ إذَا أخطأَ لا يساعَدُ عليه، أمَّا ما روِيَ عنهم قبلَ الاختلاطِ وتُمُيِّزَ مما رُوِيَ بعدَهُ فلا إشكالَ فيه، وأمَّا ما رُوِيَ عنهم مستقيمًا بعدَ الاختلاطِ ففيهِ نظرٌ، وقد أنكرَهُ يحيَى بنُ مَعينٍ على وكيعٍ وقال له: تُحَدِّثُ عن سعيدِ بنِ أبِي عَرُوبةَ
ص 159
وإنَّما سمعْتَ منه في الاختلاطِ؟! فقال: رأيتُنِي حدَّثْتُ عنه إلَّا بحديثٍ مُسْتَوٍ.
فإنَّه إنْ كان الاعتمادُ على الثِّقاتِ الذين وافقُوهم دونَهم فلم يُعْتَمَدْ عليهم؛ فما الفائدةُ في تخريجِ الحديثِ عنهم دونَ أولئكَ الثّقَاتِ؟ وإنْ كان الاعتمادُ على الرُّواةِ عنهم؛ وعلى ما قَرَؤُوه عليهم مِن صحيحِ كُتُبِهم التي كتبُوها في حالِ الصَّحةِ؛ أو التي كَتَبَ عنهم أصحابُهم قبلَ الاختلاطِ _كما قال ابنُ مَعينٍ: سمعْتُ ابنَ أبِي عَدِيٍّ يقولُ: لا نَكْذِبُ اللهَ، كنَّا نأتِي الجُرَيرِيَّ وهو مختلِطٌ فنُلَقِّنَهُ؛ فيجيءَ بالحديثِ كما هو في كتابِنَا_ فقد حصلَ في الحديثِ انقطاعٌ وصارَ وجودُهم كَعدمِهم، ولا فرقَ بينَ أن يُقرأَ عليه وهو مختلِطٌ وأن يُقرأَ على قبرِهِ وهو ميِّتٌ، فآلَ الأمرُ إلى الاعتمادِ على الوُجادةِ. /
وأحسنُ ما يُلتمَسُ لهم: أنَّهم لم يُفْرِطِ الاختلاطُ فيهم بحيثُ يكونونَ مُطْبَقِينَ، أو كانت لهم أوقاتٌ تثوبُ إليهم عقولهُم فيها فيتحيَّنُ الآخذونَ عنهم تلك الأوقاتِ ويقرؤونَ عليهم مِن كُتُبِهم أو كُتُبِ أصحابِهم، أو يسمعونَ منهم ما حفظُوه مما تَظْهَرُ لهم السَّلامةُ فيه.
هذا هو الذي يجبُ أن يُعْتَقَدَ فيمَن روَى عنهم مِن الثّقاتِ، وعلى ذلك يُحْمَلُ فعلُ وكيعِ بنِ الجرَّاحِ وغيرِهِ ممَّن فَعَلَهُ، وإلَّا عادَ ذلك بالقدحِ على الرُّواةِ عنهم؛ على أنَّ أبا حاتمٍ البستيَّ _ وإنْ كان مِن أئمةِ الحديثِ _
ص 160
فعنده بعضُ التَّساهلِ في القضاءِ بالصحيحِ فما حُكِمَ بصحَّتِهِ ممَّا لم يَحْكُمْ به غيرُهُ إن لم يكنْ مِن قبيلِ الصحيحِ يكنْ مِن قبيلِ الحسنِ، وكلاهما يُحْتَجُّ به ويُعْمَلُ عليه؛ إلَّا أنْ يظهرَ فيه ما يُوجِبُ ضعفَهُ.
ثم اعلمْ أيُّها الإمامُ الْمُتَّبَعُ المعتَمَدُ أنَّك سَمَّيْتَ في جملةِ مَن ذكرْتَ أنَّك لا تعلمُ سماعَهُم ممَّن حدَّثُوا عنه: قيسَ بنَ أبِي حازمٍ عن أبِي مسعودٍ، والنُّعمانَ بنَ أبِي عيَّاشٍ عن أبِي سعيدٍ وذكرْتَ غيرَهُمْ ممَّن انفردْتَ عن البخاريِّ بِتخريجِ بعضِهم ولم يُخَرِّجْهُم لأحدِ وجهينِ.
إمَّا لعدمِ ذلك الشرطِ عندَه، كحديثِ عطاءِ بنِ يزيدَ اللَّيثيِّ، عن تميمٍ الدَّاريِّ، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، وهو أحدُ مَن سميْتَ وانفردْتَ بإخراجِهِ عنه، وهو حديثُ: «الدينُ النصيحةُ؛ للهِ ولكتابِهِ ولرسولِهِ ولأئمةِ المسلمينَ وعامَّتِهِمْ».
خرَّجْتُهُ في كتابِ الإيمانِ مِن كتابِكَ وليس لتميمٍ الدَّاريِّ في/
ص 161
كتابِك غيرُه، وأمَّا البخاريُّ فلم يخرَّجْ لتميمٍ الدَّاريِّ شيئًا.
ص 162
وهذا الحديثُ مما أَغْفَلَ القاضي أبو الفضلِ عِيَاضٌ في «إكمالِهِ» التَّنبيهَ على موقعِهِ مِن كتابِ مسلمٍ أو غيرِهِ فرأيْنَا أن نُنَبِّهَ عليه.
و كما أنَّك _ أيضًا _لم تُخَرِّجْ حديثَ بعضِ مَن سميْتَ كحديثِ أبِي رافعٍ، عن أُبَيٍّ؛ وهو حديثُ: «أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم كان يعتكفُ العشرَ الأواخرَ مِن رمضانَ فلم يعتكفْ عامًا فلمَّا كان العامُ المقبلُ اعتكفَ عشرينَ ليلةً».
أَخْرَجَهُ أبو داودَ والنَّسائيُّ وغيرُهما.
ولقد أبعدَ النّجْعَةَ أبُو الفضلِ في قولِهِ: خرَّجَهُ ابنُ أبِي شيبةَ في
ص 163
«مسندِهِ» كما أبعدَ أيضًا النُّجْعَةَ في بيانِ أحدِ حديثَيْ أبِي مَعْمَرٍ عبدِ الله بنِ سَخْبَرَةَ، عن أبِي مسعودٍ اللَّذَيْنِ أشارَ إليهما مسلمٌ؛ ولم يُخَرِّجْهُ مسلمٌ، وهو حديثُ: «لا تُجْزِي صلاةٌ لا يُقِيمُ الرَّجلُ صُلْبَهُ فيها في الرَّكوعِ والسَّجودِ». فقال: خرَّجَهُ ابنُ أبِي شيبةَ.
وذلك إبعادٌ منه للنَّجعةِ، فقد خرَّجَه أيضًا أبو داودَ والنَّسويُّ في سننِهِمَا والتِّرمذيُّ في «جامعِهِ» كلُّهم مِن طريقِ الأعمشِ، عن عُمَارَةَ بنِ عميرٍ، عن أبِي معمرٍ، عن أبِي مسعودٍ، وليس فيه ذكرُ سماعٍ عند جميعِهم، وإنَّما نُنَبِّهُ هنا منها على ما أَغْفَلَهُ القاضِي أبو الفضلِ إكمالًا لِمَا نَقُصَ مِن «المقدمةِ» في «إكمالِهِ».
ص 164
و إمَّا لأنَّه لم يقعْ له _ أعني للإمامِ أبِي عبدِ اللهِ البخاريِّ _ على بُعْدِ ذلك عليه.
ص 166
فقد رَوَيْنَا بالإسنادِ المتقدمِ إلى الخليليِّ _رحمه الله_ قال: أخبرنا عبدُ الواحدِ بنُ بكرٍ الصُّوفيُّ/: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عَدِيٍّ الْجُرْجَانِيُّ: حدَّثنا محمَّدُ بنُ أحمدَ القُومِسِيُّ قال: سمعْتُ محمَّدَ بنَ حَمْدُوْيَه يقول: سمعْتُ البخاريَّ يقول: أحفظُ مائةَ ألفِ حديثٍ صحيحٍ؛ وأعرفُ مائتَيْ ألفِ حديثٍ غيرِ صحيحٍ.
فإن خرَّجَ منها شيئًا قلْنَا: اِطَّلعَ على ما لم تَطَّلِعْ عليه مِن ذلك.