تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[محتوى كلام مسلم في هذا الدليل ونقضه]

الأوَّلُ:

سؤالُ النّقضِ بإلزامِ التّنصيصِ على السّماعِ في كلِّ حديثٍ حديثٍ، وقد تَقَصَّيْنَا الكلامَ فيه قَبْلُ؛ وتَقَصَّيْنَا عن عُهْدَتِهِ بما أَغْنَى عن الإعادةِ.

الثاني:

الحكمُ _ أيضًا _ على هؤلاءِ الأئمةِ الذين نَقَصُوا مِن الإسنادِ رجلًا أو أكثرَ أنَّهم: أَرْسَلُوا؛ لأنَّهم غيرُ مُدَلِّسِينَ.

ص 120

و هذا يقتضِي أنَّ كثيرًا مِن الأسانيدِ المعنعَنةِ مرسَلةٌ.

الثَّالث:

أنَّهم إِنَّما كانَ تَفَقُّدُ مَنْ تَفَقَّدَ منهم سماعَ رِوايةِ الحديثِ ممَّن روَى عنهم إذا كان الراوي ممَّن عُرِفَ بالتَّدليسِ.

وهذانِ الفصْلانِ مُشْكِلانِ، فإنَّكَ قلتَ: إنَّهم يُرسِلونَ كثيرًا وأنَّ هذا في الرّواياتِ كثيرٌ يَكْثُرُ تعدادُهُ.

وقلتُ: إنَّ المعنعَنَ يُحْمَلُ على الاتِّصالِ حتى يَتَبَيَّنَ الانفصالُ.

وذلك ببادِي الرّأيِ متناقضٌ.

وقد كنتُ أرَى قديمًا _ أيَّانَ كنتُ مقلِّدًا لَكَ في دعوَى الإجماعِ في أنَّ «عن» محمُولةٌ على الاتِّصالِ ممَّن ثَبَتَتْ معاصرتُهُ لِمَنْ روَى عنه _ أنَّ مَنْ عَنْعَنَ عَمَّن سَمعَ منه ما لم يسمعْ مدلِّسٌ، وكنتُ أرَى أنَّ دليلَكَ على

ص 121

صحَّةِ مذهبِكَ إِنَّمَا يَنْتَهِضُ بهذا، وأُوَافِقُ في ذلك الإمامَ أبا عمرٍو ابنَ الصّلاحِ حيثُ احتجَّ لصحَّةِ هذا المذهبِ بأنَّه لو لم يكنْ قد سمعَهُ منه لكان بإطلاقِهِ الرِّوايةَ عنه مِن غيرِ ذكرِ الواسطةِ بينَهُ وبينَهُ مدلِّسًا وكان ذلك عندِي دليلًا راجحًا.

وأُضِيفُ إلى ذلك ما استدلَّ به أيضًا الإمامُ الحافظُ أبو عُمرَ بنُ عبدِ البَرِّ حيثُ قالَ:

ومِن الدَّليلِ على أنَّ «عن» محمولةٌ عندَ أهلِ العلمِ بالحديثِ على الاتّصالِ حتى يَتَبَيَّنَ الانقطاعُ فيها: ما حكاه أبو بكرٍ الأَثْرَمُ عن أحمدَ بنِ حنبلٍ أنَّه سُئِلَ عن حديثِ المغيرةِ بنِ شعبةَ: «أنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وأَسْفَلَهُ».

فقال: هذا الحديثُ ذكرتُهُ لعبدِ الرّحمنِ بنِ مهديٍّ فقال: عن ابنِ المباركِ أنَّه قال: عن ثَورٍ حُدِّثْتُ عن رَجَاءَ بنِ حَيْوَةَ، عن كاتبِ المغيرةِ. وليس فيه المغيرةُ قال أحمدُ: وأمّا الوليدُ فزَادَ عن المغيرةِ، وجعلَهُ: ثورٌ، عن رجاء، ولم يسمعْهُ ثورٌ مِن رجاءَ؛ لأنَّ ابنَ المباركِ قالَ فيه: عن ثورٍ حُدِّثْتُ، عن رجاءَ.

قال أبُو عمرَ بنُ عبدِ البَرِّ: ألَّا تَرَى أنَّ أحمدَ بنَ حنبلٍ عابَ على الوليدِ بنِ مسلمٍ قولَهُ «عن» في مُنْقَطِعٍ لِيُدْخِلَهُ في الاتّصالِ؟ قال: فهذا بيانٌ أنَّ «عن» ظاهرَهَا الاتِّصالُ حتَّى يثبُتَ فيها غيرُ ذلك. قال: ومثلُ هذا عن

ص 122

العُلماءِ كثيرٌ.

قلتُ: وهذا الدليلُ الذي استدلَّ به أبُو عمرَ بنُ عبدِ البَرِّ _ كما تراه _ في غايةِ الضّعفِ، فإنَّه استدلالٌ بمسألةٍ جزئيةٍ، والوليدُ بنُ مسلمٍ معروفٌ بِالتدليسِ؛ بل بالتَّسويةِ وهي شرُّ أنواعُ التّدليسِ. فعَتَبَ أحمدُ على الوليدِ لِمَا عُرِفَ منه.

و كأنَّ أبا عمرِو ابنِ الصّلاحِ إنَّما انْتَزَعَ دليلَهُ مِن هذا؛ ولكنْ أتَى به كُلِّيًّا فكان أَنْهَضَ شيئًا.

فلمَّا تَتَبَّعْتُ أيُّهَا الإمامُ كلامَكَ وتَبَيَّنْتُ ما ذكرْتَ فيه عن الأئمةِ الماضينَ مِن أنَّهم يُرسلونَ كثيرًا بلفظِ العنعنةِ وليسُوا مدلِّسينَ؛ انتقضَ عليَّ ذلك الدليلُ وضَعُفَ استدلالُكَ أيُّهَا الإمامُ بِمجردِ العنعنةِ مِن المعاصرِ، فاحْتَجْتُ إلى أنْ أزيدَ في ذلك قَيْدَ اللقاءِ، أو السّماعِ في الجملةِ، إذ لا أقلَّ منه، وأنْ أشترطَ في حدِّ التدليسِ ما قَدَّمْتُهُ مِن أنْ يُعَنْعِنَ عَمَّنْ سمعَ ما لم يسمعْ مُوهِمًا أنَّه سمعَهُ ولا يفعلْ ذلك حيث يُوهمُ. ولولا ما فَهِمَ العلماءُ ذلك مِن قوم جلَّة ما عدُّوهم مدلِّسينَ، وعَدُّوا مثلَهم في الرُّتبةِ أو دونَهم مُرْسِلِينَ كما اقتضَاهُ كلامُكَ هنَا؛ على أنَّك استعملْتَ الإرسالَ استعمالَ / الفقهاءِ بمعنىَ ما ليس بمتَّصلٍ، والمعروفُ مِن عُرْفِ المُحدّثينَ:

ص 123

هو ما أرسلَهُ التّابعيُّ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم مُسْقِطًا ذكرَ الصحابيِّ.

وقد وجدْتُ معنى ما قُلْتُهُ بعدمَا قرَّرْتُهُ هذا التقريرَ، للإمامِ أبِي عمرَ ابنِ عبد البرِّ. قال رحمه اللهُ:

وجملةُ تلخيصِ القولِ في التَّدليسِ الذي أجازَهُ مَنْ أجازَهُ مِن العلماءِ بالحديثِ هو: أنْ يُحَدِّثَ الرّجلُ عن شيخٍ قد لَقِيَهُ وسَمِعَ منه؛ بما لم يسمعْ منه وسمعَهُ مِن غيرِه عنه؛ فيُرِي أنَّه سَمِعَهُ مِن شيخِهِ ذلك، وإنَّما سَمِعَهُ مِن غيرِهِ أو مِن بعضِ أصحابِهِ عنه، ولا يكونُ ذلك إلَّا عن ثقةٍ، فإنْ دَلَّسَ عن غيرِ ثقةٍ فهو تدليسٌ مذمومٌ عند جماعةِ أهلِ الحديثِ، وكذلك إنْ دَلَّسَ عَمَّنْ لم يسمعْ منه فقد جاوزَ حدَّ التدليسِ الذي رَخَّصَ فيه مَن رَخَّصَ مِن العلماءِ إلى ما يُنْكِرُونَهُ ويَذُمُّونَهُ ولا يَحمَدُونَهُ، وباللهِ العصمةُ لا شريكَ له. انتهى كلامُهُ.

وقد يَحْسُنُ أنْ يُظَنَّ بِمَنْ فَعَلَ ذلك مِن الأئمةِ أنَّهم كانتْ لهم مِن مَشْيَخَتِهِمْ

ص 124

إجازةٌ فعنعنوا معتَمدينَ عليها؛ فلمَّا اسْتُفْسِرُوا عن السَّماعِ بيَّنُوهُ.

والمسألةُ مع هذا لا تَخْلُو من كدرِ الإشكالِ. وقد أَصْفَيْنَا لكم منها ما استطعْنَا فيما تقدَّم ورَوَّقْنَاهُ لِوُرَّادِهِ.

والكلامُ في التَّدليسِ وأنواعِهِ وأحوالِ فاعلِيهِ يستدعِي إطالةً لا يَحْتَمِلُهُا إيجازُ هذا المختصرِ، وهذا القدرُ هنا كافٍ إن شاء الله.

الأئمة الخمسة · الصفحة ١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الأئمة الخمسةص ١٤