[مذاهب الأئمَّة في كيفية استنباط مخارج الحديث]
ثمَّ اعلم أنَّ لهؤلاء الأئمَّة مذاهبُ في كيفية استنباطِ مخارج الحديث، نُشيرُ إليها على سبيل الإيجاز، وذلك أنَّ مذهبَ مَن يُخَرِّج الصحيح أن يعتبر حال الراوي العدل في مشايخه وفيمن روى عنهم وهم ثقاتٌ أيضًا، وحديثُه عن بعضهم صحيحٌ ثابتٌ يلزمُهُم إخراجُه، وعن بعضهم مدخولٌ لا يَصلُحُ إخراجُه إلَّا في الشواهد والمتابعات.
وهذا بابٌ فيه / غُموضٌ، وطريقُهُ معرفةُ طبقاتِ الرواة عن راوي الأصل
ص 150
ومراتبِ مَدارِكهم.
ولنوضِحْ ذلك بمثال، وهو أن يُعلَم مثلًا أنَّ أصحاب الزهري على طبقات خمس، ولكلِّ طبقة منها مزيةٌ على التي تليها وتفاوت.
فمن كان في الطبقة الأولى فهو الغاية في الصحة، وهو غاية مقصدِ البُخارِي.
والطبقة الثانية شارَكَتْ الأولى في العدالة، غير أنَّ الأولى جَمَعتْ بين الحفظ والإتقان وبين طول الملازمة للزهري، حتى كان فيهم من يُزَامِلُه في السفر، ويُلازِمُه في الحضر، والطبقة الثانية لم تُلازِم الزهريَّ إلَّا مدةً يسيرة فلم تُمارِسْ حديثه، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى، وهم شرط مسلم.
والطبقة الثالثة جماعةٌ لزموا الزهري مثل أهل الطبقة الأولى، غيرَ أنَّهم لم يَسْلَمُوا من غوائِل الجرح، فهم بين الرد والقبول، وهم شرط أبي داود والنَّسَائي.
والطبقة الرابعة قومٌ شاركوا أهلَ الطبقة الثالثة في الجرح والتعديل وتَفَرَّدُوا بقلة مُمارَستِهم لحديث الزهريِّ؛ لأنَّهم لم يُصاحِبُوا الزهريَّ كثيرًا، وهم من شرط أبي عيسى التِّرمِذي.
وفي الحقيقة شرطُ التِّرمِذي أبلغُ من شرط أبي داود؛ لأنَّ الحديثَ إذا كان ضعيفًا أو مَطْلَعُه من حديثِ أهل الطبقة الرابعة فإنَّه يُبَيِّن ضَعْفَه ويُنَبِّهُ عليه، فيصيرُ الحديثُ عنده من باب الشواهد والمتابعات، ويكون اعتمادُه على ما صحَّ عند الجماعة، وعلى الجملة فكتابُهُ مشتملٌ على هذا الفن، فلهذا جعلنا شرطَهُ دون شرط أبي داود.
ص 151
...... . . . .
ص 152
والطبقة الخامسة نَفَرٌ من الضعفاء والمجهولين، لا يجوز لمن
ص 153
يُخَرِّجُ الحديثَ على الأبواب أنْ يُخرِّجَ حديثَهم إلَّا على سبيل الاعتبار والاستشهاد، وهم عند أبي داود فمَن دونه، فأمَّا عند الشيخين فلا.
فأمَّا أهلُ الطبقة الأولى فنحو مالك، وابن عيينة، وعُبَيد الله بن عُمَر، ويونس، وعقيل الأيليين [1]، وشعيب بن أبي حمزة، وجماعةٍ سواهم.
وأمَّا أهل الطبقة الثانية فنحو عبد الرحمن بن عَمْرو الأَوْزَاعِيِّ، والليث بن سعد، والنعمان بن راشد، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، وغيرِهم.
ص 154
والطبقة الثالثة نحوُ سفيان/ بن حسين السُّلَمِي، وجعفر بن بُرْقَان، وعبد الله بن عُمَر بن حفص العمري، وزمعة بن صالح المكي، وغيرِهم.
والطبقة الرابعة نحوُ إسحاق بن يحيى الكلبي، ومعاوية بن يحيى الصَّدَفِي، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة المدني، وإبراهيم بن يزيد المكي، والمثنى بن الصباح، وجماعةٍ سواهم.
والطبقة الخامسة نحو بحر بن كَنِيْز السَّقَّاء، والحكم بن عبد الله الأَيلي، وعبد القدوس بن حبيب الدِّمَشْقِيِّ، ومحمد بن سعيد المصلوب، وغيرهم، وهم خلق كثير اقتصرتُ منهم على هؤلاء، وقد أفردتُ لهم كتابًا استوفيتُ فيه ذكرَهم.
وقد يُخْرجُ البُخارِيُّ أحيانًا عن أعيان الطبقة الثانية، ومُسْلِم عن أعيان الطبقة الثالثة، وأبو داود عن مشاهير الطبقة الرابعة، وذلك لأسباب تقتضيه، وليس غرضي في هذا
ص 155
المثال ترتيبهم على وِزَان ما قد خرَّجوا في الصحاح وإنَّما قصدي التنبيهُ والتعريفُ.
وعلى هذا يُعتذَرُ لمُسْلِم في إخراجه حديث حَمَّاد بن سَلَمة، فإنَّه لم يُخرج إلَّا رواياتِه عن المشهورين، نحو ثابت البُنَاني، وأيوب السختياني، وذلك لكثرةِ ملازمتِه ثابتًا وطولِ صحبته إياه، حتى بَقِيَتْ صحيفةُ ثابتٍ على ذُكْرِه وحفظِه بعد الاختلاط كما كانت قبل الاختلاط، وأمَّا حديثُه عن آحاد البصريين فإنَّ مسلمًا لم يُخرِّج منها شيئًا، لكثرة ما يُوجَد في رواياته عنهم من الغرائب؛ وذلك لقلة ممارسته لحديثهم.
وعلى هذا ينبغي أن يُسبَر حالُ الشخص في الرواية بعد ثبوت عدالته، فمهما حصل الفهمُ بحال الراوي على النحو المذكور، وكان الراوي محتويًا على الشرائط المذكورة، تعيَّن إخراجُ حديثه منفرِدًا كان به أو مشاركًا.
[1] في الأصل: الأيليان.