[الشروط المعتبرة في راوي الخبر]
الشرطُ الأولُ: الإسلامُ، وهو المقصودُ الأعظمُ، فروايةُ أهل الشرك مردودة، ومستنَدُ ذلك الكتابُ والسُّنَّةُ والإجماع، وليس هذا موضعَ إحصائها، وإنَّما نُشيرُ إشارةً عارِيَةً [1] عن الأدلة، فإنْ تحمَّل الروايةَ وهو مشرك، ثمَّ أدَّاها في الإسلام فلا بأس بذلك.
الشرطُ الثاني: العقلُ، وبه يَتوجَّه الخطابُ، ومنه يُتَلقَّى الصوابُ، والمفقودُ عقلُه لا يخلو إمَّا أن يكون مجنونًا أو صبيًا، وكلاهما لا تُقبَل روايتُه ولا شهادتُه، والأصلُ فيه قوله عليه السلام: «رُفِعَ القلمُ عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يَعقِل» والحديث مشهور من حديث/ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فلا حاجة بنا إلى ذكر إسناده.
ولأنَّ حال الراوي إذا كان مجنونًا دون حال الفاسق من المسلمين، وذلك أنَّ الفاسق يخاف الله ويرجوه، ولما فيه من الاستعداد، فإذا رُدَّ خبرُ الفاسق، فخبَرُ المجنون أولى بذلك، والصبيُّ عند عدم التمييز بمثابة المجنون، وأمَّا حالةَ التحمل فقد ذهب قوم إلى المنع إذا لم يكن مميِّزًا، وخالفهم في ذلك آخرون.
ص 145
وأما مَن زال عقلُه بأمر طارئ كالاختلاط وتَغيُّبِ الذهن فلا يعتد بِحَدِيْثِهِ، ولكن يلزم الطالبَ البحثُ عن وقت اختلاطه، فإن كان لا يمكن الوصولُ إلى علمه طُرِحَ حديثُه بالكلية؛ لأنَّ هذا عارض قد طرأ على غير واحد من المتقدمين والحفاظ المشهورين، فإذا تميَّز له ما سمعه ممَّن اختَلَطَ في حال صحته جاز له الرواية عنه وصحَّ العمل بها.
شرطٌ آخر: الصدق، وهو عمدة الأنباء، وعُدَّة الأنبياء، وشيمة الأبرار، وأرومة الأخيار، والبرزخ بين الحق والباطل، والفيصل بين الفاضل والجاهل، فمنْ تحلَّى بغير حليته، فلا يخلو كذبُه إمَّا أن يكون في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو في أحاديث الناس، فإنْ كان كذبه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع الحديث، أو ادعاء السماع، أو ما شاكل ذلك، فقد ذهب غيرُ واحد من الأئمَّة إلى ردِّ حديثه وإن تاب، نقلنا ذلك عن سفيان الثوري وابن المبارك ورافع بن الأشْرَسِ وأبي نُعيم وأحمد بن حنبل وغيرهم.
فأمَّا إذا قال: كنتُ أخطأتُ فيما رويتُه ولم أتعمد الكذب فإن ذلك يُقبَلَ منه.
ص 146
وأمَّا الذي يكذِبُ في أحاديث الناس، فإنَّه متى جُرِّبَ عليه ذلك وظهر فإنَّه يُرَدُّ حديثه، وكذا مَن عُرِفَ بقبول التلقين وتكرر ذلك منه واشتَهَر به، فلا [2] يُقبل حديثُه، وكذا من عُرِفَ بالتساهل في رواية الحديث، وقلة المبالاة في تَعَاهُدِ الأصول، في حالتي التحمل والأداء، يُرَدُّ خبرُه.
شرطٌ آخر: أنْ لا يكون مدلِّسًا، والتدليسُ وإن كان أنواعًا فبعضُها أسهلُ مِن بعض، وكان جماعة من ثقات الكوفيين والبصريين مُوْلَعين به ممَّن حديثُه مُخَرَّجٌ في الصحاح، غير أنَّ شرطَ الصحيح لا يحتمل ذلك.
ص 147
شرطٌ آخر: العدالةُ، وقد أجمع أهلُ العلم على أنَّه لا يُقبَلُ إلَّا خبرُ العدل، وكلُّ حديث اتصل إسنادُه بين مَن رواه وبين النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لم يلزم العملُ به إلَّا بعد ثبوت عدالة رجاله، وإمعان النظر في أحوالهم، سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛/ لأنَّ عدالة الصحابي ثابتة معلومة بتعديل الله تعالى لأصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإخبارِه عن طهارتهم.
وصفاتُ العدالة هي اتِّباعُ أوامر الله تعالى، والانتهاء عن ارتكاب ما نهى عنه، وتجنُّبُ الفواحش المُسْقِطَةِ، وتحرِّي الحقِّ والتوقِّي في اللفظ ممَّا يَثلَمُ الدينَ والمروءةَ، وليس يكفيه في ذلك اجتنابُ الكبائر حتى يجتنب الإصرارَ على الصغائر، فمتى وُجِدتْ هذه الصفاتُ كان المُتَحَلِّي بها عدلًا مقبولَ الشهادة (والرواية،
ص 148
غير أنَّه تُعتَبَرُ في صحة الرواية أشياء ولا تُعْتَبَرُ في الشهادة).
فمنها: أن يكون الشخصُ إذا ثبَتَتْ عدالتُه، وجانَبَ ما يُنافِي العدالة نحوَ السفهِ وغيرِه أن يكون معروفًا [3] عند أهل العلم بطلب الحديثِ وصَرْفِ العناية إليه.
ومنها: أن يكون حفظُه مأخوذًا عن العلماء لا عن الصُّحُف.
ومنها: أن يكون ضابطًا لما سمعه وقت سماعه، متحفظًا على شيخِه في روايته من أن يُدلِّسَه إن كان ممَّن يُعْرَفُ بالتدليس.
وكان يحيى بن سعيد يقول: ينبغي في هذا الحديث غيرُ خَصلة، ينبغي لصاحب الحديث أن يكون ثَبْتَ الأخذ، ويكونَ يَفهمُ ما يُقَاْلُ، ويُبصِرُ الرجال، ثم يتعاهد ذلك.
وقال أبو نعيم: لا ينبغي أن يؤخذ العلمُ إلَّا عن ثلاثة: حافظٍ له،
ص 149
أمينٍ عليه، عارفٍ بالرجال، ثمَّ يأخذ نفسه بدرسه وتكريره حتى يستقر له حفظه.
ومنها: أن يكون متيقظًا سليم الذهن عن شوائب الغفلة.
ومنها: أن يكون قليل الغلط والوَهَم؛ لأنَّ مَن كَثُرَ غَلَطُه وكان الوهمُ عليه غالبًا رُدَّ حديثُه وسَقَط الاحتجاجُ به.
ومنها: أن يكون حسنَ السَّمْت، موصوفًا بالوقار، غيرَ مشهور بالمجون والخلاعة، إذ ارتكابُ هذا مُفضٍ إلى السَّفه.
ومنها: أن يكون مُجانِبًا للأهواء تاركًا للبدع، فقد ذهب أكثرُهم إلى المنع إذا كان داعيةً، واحتملوا رواية من لم يكن داعية.
فهذه جوامعُ الأوصاف، ولها تَوابِعُ ولواحِقُ لا يمكن إحاطة العلم بها إلَّا بعد الممارسة والمطالعة للكتب المصنفة في هذا الشأن.
[1] بهامش الأصل: عرية.
[2] في الأصل: لا.
[3] في الأصل: بعد أن ... وغيره معروفًا.