الأول:
[الإجماع على قبول المعنعن وردِّه]
أنَّه قال ما معناه: قد اتفقْنَا / نحن وأنتمْ على قَبولِ خبرِ الواحدِ الثِّقةِ، عن الواحدِ الثِّقةِ؛ إذا ضمَّهما عصرٌ واحدٌ، وأنَّه حجّةٌ يَلْزَمُ به العملِ، ثمَّ أدخلتَ فيه الشَّرطَ زائدًا.
فحاصلُ هذا الكلامِ ادِّعاءُ الإجماعِ على قَبولِ المعنعَنِ الذي هذه صفتُهُ مطلقًا مِن غيرِ تقييدٍ بشرطِ اللَّقاءِ، وهو أَعَمُّ أدلَّتِهِ.
فكأنَّه يقول: الإجماعُ يتضمَّنُهُ بعمومِهِ وإطلاقِهِ، فمَنْ أثبتَ الشرطَ
ص 87
طالبْنَاهُ بالنَّقلِ عمَّن سلَف، أو بالحجّةِ عليه إنْ عَجِزَ عن النَّقلِ.
والجوابُ عن هذا الاستدلالِ: أنَّا لا نُحَكِّمُ دعوَاكَ الإجماعَ في محلِّ النِّزَاعِ لِمَا نقلْنَاه في ذلك عمَّن سلف كالبخاريِّ أستاذِكَ، وعليِّ بنِ المدينيِّ أستاذِ أستاذِكَ، ومكانُهما مِن هذا الشَّأنِ شُهْرَتُهُ مُغْنِيَةٌ عن ذكرِه. ولكنْ لا بُدَّ مِن الإشارةِ إليه ولو بلَحْظَةٍ، والتَّنْبيهِ عليه ولو بلَفْظةٍ.
قال البخاريُّ: ما اسْتَصْغَرْتُ نفسِي عندَ أحدٍ إلَّا عندَ عليِّ بنِ المدينيِّ.
ووجدْتُ عن أبِي العبَّاسِ أحمدَ بنِ منصورِ بنِ محمَّدِ بنِ أحمدَ الشِّيرَازِيِّ أنَّه قال: سمعتُ محمّدَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ بِشْرٍ الفارسيَّ يقول: سمعتُ محمّدَ بنَ أبِي صالحٍ التّرمذيَّ يقول: سمعتُ أبا عيسى الترمذيَّ يقول: سمعتُ محمّدَ بنَ إسماعيلَ البخاريَّ يقول: قال لي عليُّ بنُ المدينيِّ: النَّاسُ يقولون إنَّك تَتَعَلَّمُ منيِّ، وواللهِ إنِّي لأتعلَّم منك أكثرَ مما تَتَعَلَّمُ منيِّ؛ ورأيتَ أنتَ مثلَ نفسِكَ يا أبا عبدِ اللهِ؟
وقالَ أبُو عبيدٍ القاسمُ _ هو: ابنُ سلَّامٍ _: انتهى الحديثُ إلى أربعةٍ: أبي بكرِ بنِ أبِي شيبةَ، وأحمدَ بنِ حنبلٍ، ويحيَى بنِ معينٍ، وعليِّ
ص 88
ابن المدينيِّ؛ أبو بكرٍ / أسرَدُهُمْ له، وأحمدُ أفْقَهُهُمْ فيه، ويحيَى أجمعُهُمْ له، وعليٌّ أعلَمُهُمْ به.
و إذ ثَبَتَ نقلُ الشَّرطِ الذي طالبْتَنَا به بَطُلَ الإجماعُ الذي ادَّعيْتَهُ في محلِّ النِّزاعِ، وهو الاكتفاءُ في قَبولِ المعنعَنِ بشرطِ المعاصرةِ فقط، ولسْنَا نُنَازِعُكَ في أنَّ أخبارَ الآحادَ حجّةٌ يجبُ العملُ بها بالإجماعِ في الجملةِ، وإنَّما نُنَازعُكَ في قَبولِ المعنعَنِ منها مكتفًى فيه بالمعاصرةِ فقط، وإجماعُك لا يتناولُ ذلك، وما ادَّعيتَ مِن أنَّا أدخلْنَا فيه الشَّرطَ زائدًا، فلَنَا أن نعكسَهُ عليك، بأنْ نقولَ: بل أنت نقصْتَ مِن الإجماعِ شرطًا.
ص 89
فإنَّا قدْ اتَّفقْنا نحنُ وأنتَ على قَبولِ المعنعَن مِن غير المُدَلِّسِ إذا كانَ قدْ ثبتَ لقاؤهُ له، فنقصْتَ أنتَ مِن شروطِ الإجماعِ شرطًا، فتَتَوَجَّهُ عليكَ المُطالبةُ بالدَّليلِ على إسقاطِهِ. وكأنَّك لَمَّا اسْتَشْعرْتَ توجُّهَ المطالبةِ عَدَلْتَ إلى النَّقضِ باشتراطِ السَّماعِ في كلِّ حديثٍ حديثٍ، وقد تقدَّم الجوابُ عنه.
وتبيَّنَ الآنَ أَنَّا قائِلونَ بمَحِلِّ الإجماعِ، وأنَّا لَمْ نَزِدْ شَرْطًا؛ بل أنتَ نَقَصْتَهُ، فَفَلَجَتْ حُجَّةُ خَصمِكَ عليكَ.
وأمَّا الحُجَّةُ الَّتي طلبْتَ على صِحَّةِ مذهَبِنَا؛ فقدْ قدَّمْنَاها بِما أَغْنَى عنِ الإعادةِِ فَلْيُراجِعْهَا مَنْ يُناضِلُ عنكَ.
ثُمَّ نقولُ: إِنَّكَ _يَرحَمُكَ اللهُ_ استَشْعَرْتَ خَرْمَ ما ذَكرْتَ مِن الإجماعِ لَمَّا كانَ عِندكَ اسْتِقْرائِيًّا بِما توقَّعتَ أنْ يُنقَل لك مِنَ الخِلافِ، فعَدَلْتَ إلى المُطَالَبةِ بِالحُجَّةِ، وذلك تَوهِينٌ منكَ لِنقْلِ / الإجماعِ في مَحَلِّ النِّزاعِ، على أنَّا لمَ نُسَلِّمْ لكَ أنَّهُ يَتَناولُ مَحِلَّ الخِلافِ، واللهُ تعالى المُوفِّقُ والمُرْشِدُ.