[الرد على من اعترض على البخاري]
فإنْ قيل: فإن [1] كان الأمر على ما ذكرتَ، فإنَّ الحديث إذا صَحَّ سندُه وسَلِمَ من شوائب الجرح، فلا عبرة بالعَدَد والأفراد، وقد يُوجَدُ على ما ذكرتَ حديثٌ/ كثير، فينبغي أن يُناقَش البُخارِي في تركِ إخراج أحاديثَ هي من شرطه، وكذلك مُسْلِم ومَن بعدَه.
قلتُ: الأمرُ على ما ذكرتُ مِن أنَّ العبرة بالصحة لا بالعَدَد، وأما البُخارِي (رحمه الله تعالى) فلم [2] يلتزم أن يُخرج كلَّ ما صح من الحديث، حتى يتوجَّه عليه الاعتراضُ، وكما أنَّه لم يُخرج عن كل مَن صَحَّ حديثُه ولم يُنْسَب إلى شيء من جهات الجرح، وهم خلق كثير يبلغ عدَدُهم نيفًا وثلاثين ألفًا؛ لأنَّ تاريخَه يشتمل على نحوٍ من أربعين ألفًا وزيادة، وكتابُه في الضعفاء دون سبع مئة نفس، ومن خَرَّجهم في جامعه دون
ص 157
ألفين، كذا لم يُخرج كلَّ ما صَحَّ من الحديث.
ص 158
...... . . . .
ص 159
ويشهد لصحة ذلك ما أخبرنا أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد: أخبرنا ابن طلحة في كتابه، عن أبي سعد الماليني: أخبرنا عبد الله بن عدي: حدَّثني محمد بن أحمد، قال: سمعت محمد بن حَمْدُويَهْ يقول: سمعت محمد بن إسماعيلَ يقول: أحفَظُ مئةَ ألفِ حديثٍ صحيح، وأحفَظُ مئتي ألفٍ حديثٍ غيرِ صحيح.
وأخبرنا أبو مسعود عبد الجليل بن محمد في كتابه: أخبرنا أبو علي أحمد بن محمد بن شهريار: أخبرنا أبو الفرج محمد بن عبد الله بن أحمد: أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي قال: سمعت مَن يحكي عن البُخارِي أنَّه قال: لم أخرِّج في هذا الكتاب إلَّا صحيحًا، وما تركتُ من الصحيح أكثر.
ص 160
...... . . . .
ص 161
وأخبرنا أبو العلاء الحسن بن أحمد بن الحسن [3] الحافظ قراءة عليه: أخبرنا المعمريُّ [4] محمد بن الحسين: أخبرنا أحمد بن علي الحافظ: أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب: أخبرنا محمد بن عبد الله: سمعت خلف بن
ص 162
محمد، يقول: سمعت إبراهيم بن مَعْقِل يقول: سمعت أبا عبد الله البُخارِي يقول: كنت عند إسحاق بن رَاهُويَه فقال لنا بعض أصحابنا: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لسُنن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلم، فوقع ذلك في قلبي، فأخذتُ في جمع هذا الكتاب.
فقد ظهر بهذا أنَّ قصد البُخارِيِّ كان وَضْعَ مختصر في الحديث، وأنَّه لم يَقْصِد الاستيعابَ لا في الرجال، ولا في الحديث، وأنَّ شرطه أن يُخرج ما صحَّ عنده، لأنَّه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلَّا صحيحًا، ولم يتعرض لأمرٍ آخر.
وما سَلِم سندُه من جهات الانقطاع والتدليس وغير ذلك من أسباب
ص 163
الضعف، لا يخلو إمَّا أن يُسَمَّى صحيحًا أو لا يطلق عليه اسم الصحة، فإنْ كان يسمى صحيحًا فهو شرطُه على ما صَرَّح به ولا عبرةَ بالعدد،/ وإنْ لم يُطلق عليه اسمُ الصحة فلا تأثير للعدد لأنَّ ضمَّ الواهي إلى الواهي لا يُؤَثِّر في اعتبار الصحة، ولم يذهب إلى هذا أحدٌ من أهل العلم قاطبة.
وأما شرطُ مسلم فقد صرَّح به في خطبه كتابه.
ص 164
...... . . . .
ص 165
...... . . . .
ص 166
[1] في الأصل: إذا.
[2] في المطبوع: فإنه لم.
[3] في المطبوع: أبو العلاء أحمد بن الحسن بن أحمد. والمثبت من الأصل، وانظر ترجمته في السير، وذيل تاريخ بغداد.
[4] في الأصل: أخبرنا المعمر بن.