المشهود لهم (1) بالخير المصون عن الضير مع كونهم أفصح العرب لسانا، وأبلغهم نسبا ودارا وميزآنا، وأعرفهم باللغة وعطفها ومفاهيمها استظهارا وعرفانا.
وكان حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس وعائشة الصديقة (رضي الله عنهما) أجمعين يحفظون من اللغات والأشعار، ما هو معروف عند أهل العلم الكبار، والعلماء مجمعون على الدعاء إليها، والثناء عليها، حتى شرطوها في المبنى، وضبطوها في المعنى، قال ابن الأثير في النهاية: وهذا الفن عزيز شريف لا يوفق له الا السعداء. . . فجهل الناس من هذا المهم ما كان يلزمهم معرفته، وأخروا منه ما كان يجب عليهم تقدمته، واتخذوه ورآءهم ظهريا فصار لديهم نسيا منسيا، والمشتغل به عندهم بعيدا قصيا، وذلك أن الجهل قد عم، والخطب قد تم ... انتهى (2).
وبالجملة فعلم اللغة مصدرها لسان العرب، وعلومها منقسمة الى: نقلية هي الشريعة، وعقلية هي الأدب، وكل منهما متوقف على معرفة أصولها التي من وقف على مثلها ورسومها، فقد نال من كل فضل أبوابها وفصولها.
وقد عني بعلم اللغة ثلة من السلف المبرزين وجلة من الخلف المتقنين، ولم يعن بأصولها وارتيادها الا واحد فيما علمت من الفحول ومع ذلك لم يسمه بالأصول بل وسمه بأنواع (3/ ... ).
وحاكى به علوم الحديث في التقاسيم والأنواع، وأتى فيه بنفائس كثيرة تهتزها (3) الطباع ولطائف شريفة تطرب لها (4) الأسماع، وهو الجلال السيوطي في المزهر أجزل الله له الأجر الوافر فأردت انتقاءه على ذلك النظام وأفرغته في قالب الايجاز بحسن الانسجام لتقاصر همم أبناء الزمان، عن بلوغ ذروة الكمال وتقاعدهم عن التمسك باذيال كمال العرفان، لضيق المجال مع التزام اتمام المعاني، وإبرام قواعد المباني.
ولخصته مطروح الزوائد، مجموع الفوائد، مع زيادة نزرة امتلأ بها الوطاب، وتصرف يسير اعتلى منه الخطاب، كذكر الكتب المؤلفة في هذا العلم وغير ذلك مما أودعته في هذا السفر المستطاب، وأسميته (البلغة الى أصول اللغة) (5) مضمنا إياه مقدمة وبابين وخاتمة، والمرجو ممن عثر على عثار طغى به القلم، أو دحضت به القدم، أن يستر زلله، ويسد بسداد كرمه خلله، فإن أول ناس أول الناس، ونعوذ بالله من شر الجنة والناس، وكأني