سورة الماعون
أرأيت : أي هل عرفت وعلمت والمراد بذلك تشويق السامع إلى تعرّف ما يذكر بعده مع تضمنه التعجب منه ، كما تقول : أرأيت فلانا ماذا صنع ، وأ رأيت فلانا كيف عرّض نفسه للمخاطر - أنت فى كل ذلك تريد بعث المخاطب على التعجب مما فعل ، والدين : هو الخضوع لما وراء المحسوس من الشؤون الإلهية التي لا يمكن الإنسان أن يعرف حقيقتها ، وإنما يجد آثارها فى الكون باعثة على الإذعان والتصديق ، كوجود اللّه ووحدانيته ، وبعثه الرسل مبشرين ومنذرين ، والتصديق بحياة أخرى يعرض الناس فيها على ربهم للجزاء ، يدعّ اليتيم : أي يدفعه ويزجره زجرا عنيفا كما جاء فى قوله : « يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا » يحض : أي يحث ويدعو الناس إلى ذلك ، يراءون : أي يفعلون بقدر ما يرى الناس أنهم يفعلون ذلك من غير أن تستشعر قلوبهم خشية اللّه بها وحقيقة الرياء طلب ما فى الدنيا بالعبادة وطلب المنزلة فى قلوب الناس ، ويكون فعل ذلك على ضروب (1) بتحسين السمت مع إرادة الجاه وثناء الناس.
(2) بلبس الثياب القصار أو الخشنة ليأخذ بذلك هيبة الزهاد فى الدنيا.
(3) بإظهار السخط على الدنيا ، وإظهار التأسف على ما يفوته من فعل الخير.
(4) بإظهار الصلاة والصدقة ، أو بتحسين الصلاة لرؤية الناس له.
والماعون : ما جرت العادة بأن يسأله الفقير والغنى كالقدر والدلو والفأس.
وقال جار اللّه : ولا يكون الرجل مرائيا بإظهار العمل الصالح إن كان فريضة ، فمن حق الفرائض الإعلان بها وتشهيرها
لقوله عليه الصلاة والسلام : « ولا غمّة فى فرائض اللّه »
لأنها أعلام الإسلام ، وشعائر الدين ، ولأن تاركها يستحق الذم والمقت ، فوجب إماطة التهمة بالإظهار ، وإن كان تطوعا فحقه أن يخفى ، لأنه مما لا يلام بتركه ولا تهمة فيه ، فإن أظهره قاصدا الاقتداء به كان جميلا ، وإنما الرياء أن يقصد بالإظهار أن تراه الأعين فيثنى عليه بالصلاح ، وعن بعضهم أنه رأى رجلا فى المسجد قد سجد سجدة الشكر وأطالها فقال : ما أحسن هذا لو كان فى بيتك ؟
وإنما قال هذا لأنه توسم فيه الرياء والسمعة.
على أن اجتناب الرياء صعب إلا على المرتاضين بالإخلاص ، ومن ثم
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « الرياء أخفى من ديب النملة السوداء فى الليلة الظلماء على المسح الأسود » ا ه.
المسح : كساء خشن من صوف يلبسه الزهاد.