9 – أن فيها الإقرار من العبد بفقره واحتياجه إلى ربه في جميع أحواله وكافة شؤونه، كما قال الله تعالى: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾ [70] .
وقد بين الله سبحانه في هذه الآية الكريمة أن فقر العباد إليه أمر ذاتي لهم لا ينفك عنهم، وهو ثابت لهم لذواتهم وحقائقهم من كل وجه، لا غنى لهم عن ربهم وسيدهم طرفة عين ولا أقل من ذلك.
قال ابن القيم – رحمه الله -: ((اعلم أن كل حي – سوى الله – فهو فقير إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، والمنفعة للحي من جنس النعيم واللذة، والمضرة من جنس الألم والعذاب، فلا بد من أمرين: أحدهما هو المطلوب المقصود المحبوب الذي ينتفع به ويتلذذ به، والثاني هو المعين الموصل المحصل لذلك المقصود والمانع لحصول المكروه والدافع له بعد وقوعه.
فهاهنا أربعة أشياء: أمر محبوب مطلوب الوجود، والثاني أمر مكروه مطلوب العدم، والثالث الوسيلة إلى حصول المحبوب، والرابع الوسيلة إلى دفع المكروه، فهذه الأمور الأربعة ضرورية للعبد، بل ولكل حي سوى الله، لا يقوم صلاحه إلا بها.
إذا عرف هذا فالله سبحانه هو المطلوب المعبود المحبوب وحده لا شريك له، وهو وحده المعين للعبد على حصول مطلوبه، فلا معبود سواه ولا معين على المطلوب غيره، وما سواه هو المكروه المطلوب بعده، وهو المعين على دفعه، فهو سبحانه الجامع للأمور الأربعة دون ما سواه، وهذا معنى قول العبد ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ فإن هذه العبادة تتضمن المقصود المطلوب على أكمل الوجوه، والمستعان هو الذي يستعان به على حصول المطلوب ودفع المكروه، فالأول من مقتضى ألوهيته، والثاني من مقتضى ربوبيته)) [71] .