المطلب الثاني: الفرق بين التضمين ونزع الخافض:
أولا: من الناحية البلاغية: التضمين أبلغ من نزع الخافض، لأن الفعل المضمن معنى فعل آخر يؤدي المعنيين في وقت، واحد أحدهما أصالة، والآخر تضمينا، فيكون أبلغ في تأدية المعنى المراد، أما نزع الخافض فهو: حذف وإيصال فقط، وليس فيه معنى زائد عن المعنى الأصلي، وهذه المسألة تنبه لها ابن القيم فقال في معرض رده على من يرى أن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض: "ظاهرية النحاة يجعلون أحد الحرفين بمعنى الآخر، وأما فقهاء أهل العربية، فلا يرتضون هذه الطريقة، بل يجعلون للفعل معنى مع الحرف، ومعنى مع غيره، فينظرون إلى الحرف وما يستدعي من الأفعال، فيشربون الفعل المتعدي به معناه، هذه طريقة إمام الصناعة سيبويه رحمه الله تعالى، وطريقة حذاق أصحابه، يضمنون الفعل معنى الفعل، لا يقيمون الحرف مقام الحرف، وهذه قاعدة شريفة جليلة المقدار تستدعي فطنة ولطافة في الذهن، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿عينا يشرب بها عباد الله﴾ فإنهم يضمنون: (يشرب) معنى (يروى) فيعدونه بالباء التي تتطلبها، فيكون في ذلك دليل على الفعلين، أحدهما بالتصريح والثاني بالتضمين، والإشارة إليه بالحرف الذي يقتضيه مع غاية الاختصار، وهذا من بديع اللغة، ومحاسنها، وكمالها. وهذا أحسن من أن يقال: يشرب منها، فإنه لا دلالة فيه على الري، وأن يقال يروى بها، لأنه لا يدل على الشرب بصريحه بل باللزوم، فإذا قال يشرب بها دل على الشرب بصريحه، وعلى الري بالباء فتأمله".