هذا البحث لم يتأت لي سهوا رهوا، وإنما أخذت أنقب عن مادته العلمية بحثا عن شاهد في بطون كتب النحو، والتفسير، وإعراب القرآن، والقراءات، والمعاجم اللغوية، وغيرها كثير، ككتاب (دراسات لأسلوب القرآن الكريم) للشيخ محمد عبد الخالق عضيمة رحمه الله، إذ أفدت منه كثيرا في الشواهد، ومعجم الأدوات والضمائر في القرآن، والمعجم المفهرس لألفاظ القرآن، كما تتبعت الأفعال اللازمة في القرآن، أدرس ما عدي منها، فإن كانت تعديته بنزع الخافض ادخرته، وإن كان معدى بغير ذلك من طرق التعدية المعروفة اطرحته، ولم أدرجه في بحثي، ومن خلال التنقيب والبحث رأيت أن المادة العلمية جديرة بإفرادها في بحث مستقل، استهللته بالحديث عن نزع الخافض: تعريفه، وأحكامه، وقياسيته، والفرق بين نزع الخافض والتضمين، فكان فصلا، ثم درست نزع الخافض في القرآن في الفصل الثاني، فما كان منه قياسيا اكتفيت بأمثلة تجليه وتوضحه، دون استقصاء وحصر لجميع ما جاء منه في القرآن، لأن البحث ليس معجما للقرآن، وما كان غير قياسي فإنني أحرص علىالاستقصاء والتحري، فإن فاتني منه شيء فالكمال لله.
ولا يخفى أن وجه الشاهد في بعض الآيات المستشهد بها يكون مرجوحا، أو يكون القول به غير واضح الدلالة، أو ينازعه التضمين، فأورده، وأورد معه الوجه الأرجح، استيفاء لما قيل في الآية، وخروجا من لائمة التقصير، فإن قيل إن نزع الخافض في غير مواطنه القياسية موقوف على السماع، ولا تحمل الشواهد القرآنية إلا على المسائل القياسية، فأقول: إن الأئمة من النحاة والمفسرين والمعربين للقرآن أكثروا من القول بنزع الخفض في غير مواطن القياس، وارتضوه في آيات كثيرة، ومن الخير عدم الشذوذ عنهم، والتعسف في توجيه تلك الشواهد فرارا من القول بنزع الخافض، ولكن يقال هذه شواهد تحفظ ولا تتخذ قياسا.