ومر بهما نفر من جرهم، اعتادوا اجتياز هذا الوادي المقفر، ولم يعهدوا فيه ماء، ولا طيرا تحوم حوله. وقد شدهم رؤية طير فوقهم صافات ويقبضن، فبعثوا بأحدهم يستجلي الأمر، حتى إذا وقف على هاجر، ورأى الماء عندها، سألها المشاركة فيه، فأبت عليهم ذلك إلا أن يكون أمر الماء إليها، فوافق ذلك هوى في نفوسهم، وهوت أفئدتهم إليها فحطوا عن رحالهم، وأقاموا مشكلين بذلك النواة الأولى لمجتمع مكة المكرمة، مما مكن إسماعيل عليه السلام عند نشأته، وفي نشأته من تعلم لغتهم، وفنونهم في الفروسية، حتى إذا شب عن الطوق زوجوه منهم.
وأخذ الخليل عليه السلام يعاود زيارة تركته في ذلك المكان، مرة بعد مرة: ﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر﴾ [البقرة 26] .
ولم تزل أرض مكة حرما آمنا منذ خلق الله السموات والأرض. وإنما سأل الخليل عليه السلام ربه تبارك وتعالى أن يجعلها آمنة من الجدب والقحط، وأن يرزق أهلها من الثمرات [42] .
ثم يمضي الله - جل وعلا - في مشيئته، تحقيقا، وتثبيتا، فيأمر خليله وابنه إسماعيل، عليهما السلام - برفع قواعد بيته المندثرة، وبنائه للمرة الثالثة بعد بناء الملائكة، وآدم عليه السلام. قال تعالى يصف فعلهما: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾ [البقرة 127] .