تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 10

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم (1) اللّه أعلم بمراده بذلك، ذلِكَ أي هذا

وجوبها. وقال ابن سيرين: إذا تعوذ الرجل في عمره مرة واحدة كفى في إسقاط الوجوب. ووقت الإستعاذة قبل القراءة عند الجمهور. وحكي عن النخعي أنه بعد القراءة، وهو قول داود وأحد الروايتين عن ابن سيرين، ومعنى أعوذ باللّه ألتجىء اليه وأتحصن به مما اخشاه، والشيطان أصله من شطن أي بعد عن الرحمة وقيل من شاط بمعنى احترق وهو اسم لكل عات من الأنس والجن، والرجيم فعيل بمعنى فاعل أي راجم بالوسوسة والشر، وقيل بمعنى مفعول أي مرجوم بالشهب عند استراق السمع أو بالعذاب أو مطرود عن الرحمة والخيرات، فحكمة الاستعاذة تطهير القلب من كل شيء يشغل عن اللّه تعالى، فإن في تعوذ العبد باللّه إقرارا بالعجز والضعف واعترافا بقدرة الباري وأنه الغنى القادر على دفع المضرات وإن الشيطان عدو مبين وقد دخل منه في الحصن الحصين.

قوله: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) اختلف الأئمة في كون البسملة من الفاتحة وغيرها من السور سوى سورة براءة، فذهب الشافعي وجماعة من العلماء إلى أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة ذكرت في أولها سوى سورة براءة، وقال به جماعة من الصحابة، وذهب الأوزاعي ومالك وأبو حنيفة إلى أن البسملة ليست آية من الفاتحة، وزاد أبو داود ولا من غيرها من السور وإنما هي بعض آية في سورة النمل وإنما كتبت للفصل والتبرك، قال مالك ويكره استفتاح صلاة الفرض بها، واختلفت الرواية عن أحمد في كونها في الفاتحة أو لا والأحسن أن يقدر متعلق الجار هنا قولوا، لأن هذا المقام مقام تعليم صادر عن حضرة الرب تعالى.

قوله: (الم): اعلم أن مجموع الأحرف المنزلة في أوائل السور أربعة عشر حرفا وهي نصف حروف الهجاء، وقد تفرّقت في تسع وعشرين سورة: المبدوء بالألف واللام منها ثلاث عشرة، وبالحاء والميم سبعة، وبالطاء أربعة، وبالكاف واحدة، وبالباء واحدة، وبالصاد واحدة، وبالقاف واحدة، وبالنون واحدة، وبعض هذه الحروف المبدوء بها أحادي وبعضها ثنائي وبعضها ثلاثي وبعضها رباعي وبعضها خماسي ولا تزيد. قوله: (اللّه أعلم بمراده بذلك) أشار بهذا إلى أرجح الأقوال في هذه الأحرف التي ابتدأ بها تلك السور، وهو أنها من المتشابه جريا على مذهب السلف القائلين باختصاص اللّه تعالى بعلم المراد منه، وعلى هذا فلا محل لها من الإعراب، لأنه فرع إدراك المعنى فلا يحكم عليها بإعراب ولا بناء ولا بتركيب مع عامل، ومقابل هذا أقوال: قيل إنها اسماء للسور التي ابتدئت بها، وقيل اسماء للقرآن، وقيل للّه تعالى، وقيل كل حرف منها مفتاح اسم من اسمائه تعالى، أي جزء من اسم، فالألف مفتاح لفظ الجلالة، واللام مفتاح اسم لطيف، والميم مفتاح اسم مجيد، وهكذا، وقيل كل حرف منها يشير إلى نعمة من نعم اللّه، وقيل إلى ملك، وقيل إلى نبي، وقيل الألف تشير إلى آلاء اللّه، واللام إلى لطف اللّه، والميم إلى ملك اللّه، وعلى هذه الأقوال فلها محل من الإعراب، فقيل الرفع، وقيل النصب، وقيل الجر، فالرفع على أحد وجهين، إما بكونها مبتدأ، وإما بكونها خبرا، والنصب على أحد وجهين أيضا: إما باضمار فعل لائق تقديره اقرؤوا مثلا وإما باسقاط حرف القسم كقول الشاعر:

إذا ما الخبز تأدمه بلحم ... فذاك أمانة اللّه الثريد

يريد وأمانة اللّه والجر بوجه واحد وهو أنها مقسم بها حذف حرف القسم وبقي عمله، أجاز ذلك الزمخشري وإن كان ضعيفا لأن ذلك من خصائص الجلالة المعظمة لا يشاركها فيه غيرها.

حاشية الصاوي على تفسير الجلالين · الصفحة ٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حاشية الصاوي على تفسير الجلالينص ٩