حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 300
عليه بالإسراء المشتمل على اجتماعه بالأنبياء وعروجه إلى السماء ورؤية عجائب الملكوت ومناجاته له تعالى فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «أتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند
التكلم في قوله: مِنْ آياتِنا. الرابع من التكلم إلى الغيبة في قوله: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ومن في قوله: مِنْ آياتِنا للتبعيض، أي لنريه بعض آياتنا، وإنما أتى بها تعظيما لآيات اللّه، أي أن محمدا، وإن ما رأى، من الآيات العظيمة والعجائب الفخيمة، فهو بعض بالنسبة لآيات اللّه، وعجائب قدرته، وجلائل حكمته. إن قلت: إن ما هنا يقتضي التبعيض، وقوله تعالى في حق إبراهيم وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أنه لا تبعيض، فظاهر هذا، أن ما رآه إبراهيم، أكثر مما رآه محمد، وهو خلاف الإجماع. أجيب: بأن ملكوت السماوات والأرض، بعض الآيات العظيمة التي رآها محمد، فإبراهيم رأى بعض البعض.
قوله: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ المشهور أن الضمير عائد على اللّه تعالى، أي هو السميع للأقوال، البصير بالأحوال والأفعال، وقيل الضمير عائد على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وحكمة الإتيان بهذين الوصفين، الثناء على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، حيث شاهد ما شاهد، وسمع ما سمع، ولم يزغ بصره، ولم يدهش سمعه، فهو نظير قوله تعالى: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى إشار إلى علو مقامه ورفعة شأنه، ولذا قال العارف البرعي:
وإن قابلت لفظة لن تراني ... بما كذب الفؤاد فهمت معنى
فإن اللّه كلم ذاك وحيا ... وكلم ذا مشافهة وأدنى
إلى أن قال:
فموسى خر مغشيا عليه ... وأحمد لم يكن ليزيغ ذهنا
قوله: (على اجتماعه بالأنبياء) أي الرسل وغيرهم وصلوا خلفه. قوله: (و عروجه إلى السماء) أي صعوده إليها محفوفا بالملائكة الكرام. قوله: (و رؤية عجائب الملكوت) أي كالملائكة والجنة والنار. واعلم أن العوالم أربع: عالم الملك وهو ما نشاهده، وعالم الملكوت وهو ما خفي عنا، وعالم الجبروت وهو العلوم والأسرار، وعالم العزة وهو ما لا يمكن التعبير عنه كذات اللّه، ويسمى سر سر السر. قال السيد البكري:
وبسر سر سرك الذي لا تفي بالافصاح عن حقيقته الرقائق. قوله: (و مناجاته له تعالى) أي شفاها مع رفع الحجاب. قوله: (فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم) الخ، القصد على ذلك تفصيل ما أجمل في الآية الكريمة، وقد اختلفت الروايات في الإسراء والمعراج جدا، وقد اقتصر المفسر على هذه الرواية، لكونها رواية البخاري ومسلم.
قوله: (أتيت بالبراق) أي بعد أن جاءه جبريل وميكائيل ومعهما ملك آخر، فاحتملوه حتى جاؤوا به زمزم، فأضجعوه وشقوا من ثغرة نحره إلى أسفل بطنه، وأخرجوا قلبه وغسلوه ثلاث مرات، ثم ملؤوه حلما وعلما ويقينا وإسلاما، ثم أطبقوه وختموا بين كتفيه بخاتم النبوة، ثم أتى بالبراق بضم الباء مأخوذة من البرق لسرعة سيره، أو من البريق لشدة صفاء لونه ولمعانه، وهو من جملة أربعين ألف براق، ترتع في ربض الجنة معدة له صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (دابة) أي ليست ذكرا ولا أنثى، وفي الاستعمال يجوز التذكير، باعتبار كونه مركوبا، ويؤنث باعتبار كونه دابة. قوله: (فوق الحمار ودون البغل) أي وهو متوسط بينهما، قوله: