حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 431
بالمد رِحْلَةَ الشِّتاءِ إلى اليمن وَرحلة الصَّيْفِ (2) إلى الشام في كل عام، يستعينون بالرحلتين للتجارة على المقام بمكة لخدمة البيت الذي هو فخرهم، وهم ولد النضر بن كنانة
وقال ابن عباس: سميت باسم دابة في البحر يقال لها القرش، تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى، قال الشاعر:
وقريش هي التي تسكن البح ... ر بها سميت قريش قريشا
سلطت بالعلو في لجة البح ... ر على سائر البحور جيوشا
تأكل الغث والسمين ولا تت ... رك فيه لذي الجناحين ريشا
هكذا في الكتاب حي قريش ... يأكلون البلاد أكلا كشيشا
ولهم آخر الزمان نبي ... يكثر القتل فيهم والخموشا
يملأ الأرض خيلة ورجالا ... يحشرون المطي حشرا كميشا
وهو مصروف هنا إجماعا، لكونه مرادا به الحي، إذ لو أريد به القبيلة لامتنع صرفه. قال سيبويه في معد وثقيف وقريش وكنانة: هذه للإحياء أكثر، وإن جعلتها اسما للقبائل فهو جائز حسن، واختلف القراء في قوله لإيلاف فبعضهم قرأ لإيلاف بإثبات الياء قبل اللام الثانية، وبعضهم قرأ بحذفها، وأجمع الكل على إثبات الياء في الثاني
وهو قوله: إِيلافِهِمْ، ومن غريب ما اتفق في هذين الحرفين، أن القراء اختلفوا في سقوط الياء وثبوتها في الأول، مع اتفاق المصاحف على اثباتها خطّا، واتفقوا على اثبات الياء في الثاني، مع اتفاق المصاحف على سقوطها منه خطّا، فهو أدل دليل على أن القراءة سنة متبعة مأخوذة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، لا اتباعا لمجرد الخط. قوله: (تأكيد) أي لفظي، ورِحْلَةَ مفعول للأول، عليه، قيل بدل، لأنه أطلق المبدل منه، وقيد البدل، وهو رِحْلَةَ. قوله: (و هو مصدر آلف بالمد) أي أن ايلاف الثاني، وكذا الأول على قراءة اثبات الياء مصدر آلف بالمد كأكرم، يقال: آلفته أؤالفه ايلافا، وأما على قراءة حذف الياء، فهو مصدر لألف ثلاثيا، ككتب كتابا.
قوله: رِحْلَةَ الشِّتاءِ مفعول به بالمصدر، والمصدر مضاف لفاعله، أي لأن ألفوا رحلة، والأصل رحلتي الشتاء والصيف، وإنما أفرد لأمن اللبس، وأول من سن لهم الرحلة هاشم بن عبد مناف، وكانوا يقسمون ربحهم بين الغني والفقير، حتى كان فقيرهم كغنيهم، واتبع هاشما على ذلك إخوته، فكان هاشم يؤالف إلى الشام، وعبد شمس إلى الحبشة، والمطلب إلى اليمن، ونوفل إلى فارس، وكانت تجار قريش يختلفون إلى هذه الأمصار، بجاه هؤلاء الإخوة، أي بأمانهم الذي أخذوه من ملك كل ناحية من هذه النواحي، والرحلة بالكسر اسم مصدر بمعنى الارتحال وهو الانتقال، وأما بالضم فهو الشيء الذي يرتحل إليه مكانا أو شخصا. قوله: (و هم ولد النضر بن كنانة) أي فكل من ولده النضر فهو قرشي، دون من لم يلده النضر وإن ولده كنانة، وهذا هو الصحيح، وقيل: هم ولد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، فمن يلده فهر فليس بقرشي وإن ولده النضر قال العراقي:
أما قريش فالأصح فهر ... جماعها والأكثرون النضر
فالحاصل أن بني فهر قرشيون اتفاقا، وبنو كنانة الذين لم يلدهم النضر ليسوا بقرشيين، واختلف في