قوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ أي منيع في ملكه، غالب على أمره لا يمتنع عليه ما يريد - وهو ينتقم ممن عصاه أو تعدى حدوده وخالف أوامره - قال ابن جرير الطبري في تأويل ذلك: الله منيع في سلطانه لا يقهره قاهر ولا يمنعه من عقوبة من أراد عقوبته مانع؛ لأن الخلق خلقه والأمر أمره له العزة والمنعة (208).
96 - (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)
قوله تعالى: ﴿اُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ يخاطب الله المؤمنين ليبين لهم تحليل صيد البحر، وهو المصيد - أي ما صيد من الماء سواء كان بحراً أو نهراً أو غديراً أو نحو ذلك من أشكال المياه التي تتوالد فيها الأحياء المائية.
قوله: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ أي ما يطعم من صيده - وهو عطف على ﴿صَيْدُ﴾ وهو من عطف الخاص على العام - أي أحل لكم جميع ما يصاد في المياه والانتفاع به وكل ما يؤكل منه.
وجملة ما يصاد من البحر ثلاثة أنواع: الأسماك بكل أنواعها، فهي حلال - والضفادع بكل أنواعها فهي حرام - وما سوى هذين النوعين.
وفيه خلاف بين العلماء - فهو عند الحنفية حرام أكله - فإنما يحل عندهم أكل الأسماك دون غيرها مما حواه البحر من حيوان - خلافاً لابن أبي ليلى من الحنفية إذ يحل عنده أكل جميع حيوانات البحر - فقد جعل الضمير في قوله: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ راجعاً إلى صيد البحر وليس البحر - أي يحل لكم صيد حيوان البحر وأن تطعموه وتأكلوه - وهو قول المالكية والشافعية والأوزاعي والثوري - فقد ذهب هؤلاء إلى أنه يؤكل كل ما في البحر من السمك والدواب وسائر ما في البحر من الحيوان، وسواء اصطيد أو وجد ميتاً - واحتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام: " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " وفي الحوت أخرج الصحيحان عن جابر قال: لما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال: " هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا " فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله.
أما السمك الطافي في البحر فهو حلال أكله عند الشافعية - وهو مروي عن أبي بكر وعمر وابن عباس، وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ وكذا عموم الخبر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته ".
وعند الحنفية: لا يؤكل السمك الطافي، ويؤكل ما سواه من السمك دون غيره من سائر الحيوان - وكرهه كثير من أهل العلم لعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ ولما رواه أبو داود والدارقطني عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كلوا ما حسر عنه البحر - وما ألقاه وما وجدتموه ميتاً أو طافياً فوق الماء فلا تأكلوه ".
قوله: ﴿مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ متاعاً منصوب على المصدر - وقيل: مفعول لأجله - أي أحل لكم تمتيعاً لكم (209) أي أحل الله لكم صيد البحر منفعة لمن كان منكم مقيماً أو حاضراً في بلده فيستمتع بأكله - وكذلك منفعة ومتعة للسيارة وهم السائرون المسافرون من بلد إلى بلد ومن أرض إلى أرض - إذ يتزودونه في سفرهم - والسيارة جمع سيار - أي يستمتع به المقيمون فيأكلونه طريّاً ويستمتع به المسافرون إذ يتزودونه قديداً مالحاً.