قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ فقد حرم الله بهذه الآية على المحرم كل معاني صيد البر من اصطياد وأكل وقتل وبيع وشراء وإمساك وتملك - وصيد البر ما صيد فيه مما يتوالد فيه - وإن كان يعيش في البر تارة وفي الماء تارة أخرى فذلك كله صيد البر - وذلك كالسلحفاة والسرطان والضفدع وطير الماء - ويجب على قاتله الجزاء.
أما الصيد الذي يصيده الحلال هل يحل للمحرم؟ ثمة أقوال في ذلك:
القول الأول: عدم جواز أكل الصيد للمحرم بالكلية والمنع من ذلك مطلقاً وذلك لعموم الآية ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ وقد ذهب إلى ذلك علي وابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير وطاووس والثوري - فقد قالوا: صيد البر يدخل فيه ما اصطاده المحرم وما اصطاده الحلال - وكل ذلك صيد البر.
القول الثاني: إباحته للمحرم مطلقاً، أي على كل حال، إذا اصطاده الحلال سواء صيد من أجله أو لا - وقد روي هذا القول عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة والزبير بن العوام وكعب الأحبار ومجاهد وسعيد بن جبير - وهو قول الحنفية - وذلك لظاهر قوله: ﴿لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ فحرم صيده وقتله على المحرمين دون ما صاده غيرهم.
القول الثالث: إن كان الحلال قد قصد المحرم بذلك الصيد فإنه لا يجوز أكله للمحرم - وهو قول المالكية والشافعية والحنبلية وآخرين - ودليلهم ما أخرجه الصحيحان عن الصعب بن جثامة أنه أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم حماراً وحشيّاً وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه فلما رأى ما في وجهه قال: " إنا لم نرده عليك إلا أنا حرام " أما إذا لم يقصده بالاصطياد فإنه يجوز له الأكل منه - وذلك لحديث أبي قتادة حين صاد حماراً وحشيّاً وكان حلالاً لم يحرم وكان أصحابه محرمين فتوقفوا في أكله ثم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " هل كان منكم أحد أشار إليها وأعان في قتلها " قالوا: لا - قال: " فكلوا " وأكل منها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولو أحرم وبيده صيد بر أو كان في بيته عند أهله، فإن كان في يده لزمه إرساله - وإن كان في أهله فليس عليه إرساله - وهو قول الحنفية والحنبلية والمالكية - وعند الشافعي في أحد قوليه ليس عليه إرساله سواء كان في يده أو في بيته - وهو مروي عن مالك - وقيل: عليه أن يرسله سواء كان في بيته أو في يده، فإن لم يرسله ضمن - وهو قول ابن أبي ليلى والثوري - والقول الثاني للشافعي - وذلك لقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ وهذا عام في الملك والتصرف.
ولو دل المحرم محرماً آخر على الصيد فقتله فقد وجب على كل واحد منهما جزاء وهو قول الحنفية وأشهب من المالكية - وقيل: الجزاء على المحرم القاتل - وهو قول المالكية والشافعية لظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُم مُّتَعَمِّداً﴾ فعلق وجوب الجزاء بالقتل فانتفى بغيره.
قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي احذروا واجتنبوا ما نهاكم الله عنه من الصيد والمعاصي كشرب الخمر والمقامرة واعتقاد الأنصاب والأزلام - فإنكم صائرون إلى الله فيعذب من يعصيه ويستنكف عن طاعته وعبادته (210).