قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ أي يحكم في جزاء الصيد رجلان صالحان عدلان منكم - أي من أهل ملتكم ودينكم - أما هل يجوز أن يكون القاتل أحد الحكمين؟ ثمة قولان في ذلك - أحدهما: عدم الجواز، لمظنة التهمة في حكم القاتل على نفسه - وهو قول المالكية والظاهر من مذهب المالكية.
ثانيهما: الجواز - وذلك لعموم الآية، وهو مذهب الشافعية والحنبلية - ومما احتجوا به أن بعض الصحابة أوطأ فرسه ظبياً فقتله وهو محرم - فقال له عمر: احكم معي - فحكما فيه جدياً - جمع الماء والشجر - فقال عمر: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ وهو يدل على جواز كون القاتل أحد الحكمين - ولو اشترك جماعة في قتل صيد، ففي حكم ذلك قولان - أحدهما: أن على كل واحد من الجماعة جزاء كاملاً - وهو قول مالك وأبي حنيفة، استناداً إلى ظاهر الآية.
ثانيهما: عليهم جميعاً كفارة واحدة، وهو قول الشافعي لما رواه الدارقطني أن موالي لابن الزبير أحرموا إذ مرت بهم ضبع فخذفوها بعصيهم فأصابوها فوقع في أنفسهم فأتوا ابن عمر فذكروا له فقال: عليكم كلكم كبش.
قوله: ﴿هَدْياً بَالِغَ الكَعْبَةِ﴾ هدياً منصوب على الحال - أي إذا حكم العدلان بالهدي فإنه يرسل إلى مكة وينحر ويتصدق به هناك - وليس المقصود عين الكعبة وإنما المقصود الحرم - وسميت الكعبة بهذا الاسم لارتفاعها وتربيعها - والعرب تسمي كل بيت مربع كعبة - والمراد بها هنا الحرم؛ لأن الذبح أو النحر لا يقع في الكعبة ولا في قرب ملاصق لها، بل يرسل الهدي إلى مكة ليذبح أو ينحر فيها ثم يوزع على مساكينها ومحاويجها.
قوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾ كفارة عطف على قوله ﴿فَجَزَاءٌ﴾ - طعام بدل من كفارة - وقيل: خبر مبتدأ محذوف - وتقديره هي طعام (207) والعدل، ما عدل الشيء من غير جنسه - وصياماً، منصوب على التمييز - وكلمة ﴿أَوْ﴾ للتخيير - وذلك في أصل اللغة - وهو قول الجمهور وعلى هذا إذا قتل المحرم الصيد فهو مخير بين ثلاثة أشياء: إن شاء أخرج المثل - وإن شاء قوّم المثل بدراهم ويشتري بها طعاماً ويتصدق به، وإن شاء صام - وأما الصيد الذي لا مثل له فالقاتل مخير بين شيئين: بين أن يقوّم الصيد بالدراهم ويشتري بها طعاماً ويتصدق به، وبين أن يصوم.
وقيل: ﴿أَوْ﴾ للترتيب وليس التخيير - وهو قول الحنبلية وزفر من الشافعية - إذ قالوا: الواجب هنا قد شرع على سبيل التغليظ بدليل قوله تعالى: ﴿لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ والتخيير ينافي التغليظ - وأجيب عن ذلك أن إخراج المثل ليس أقوى عقوبة من إخراج الطعام - فالتخيير لا يقدح في القدر الحاصل من العقوبة في إيجاب المثل.
قوله: ﴿لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ الذوق هو إدراك طعم الشيء بواسطة الأعصاب المنتشرة على اللسان - والذوق هنا مستعار ليشي بتغليظ العقاب على المخالفين - والوبال، معناه سوء العاقبة - والوبيل: الثقيل الوخيم.
قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ أي عما كان في الجاهلية من صيد في حال الإحرام - وقيل: قبل نزول الكفارة.
قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ يعني من عاد للصيد وهو محرم فإن الله ينتقم منه بالكفارة - وقيل: ينتقم منه في الآخرة.