تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واحتجوا أيضا بالقياس الجلي إذ قالوا: القتل العمد العدوان يوجب القتل فغلظ ذلك في قاطع الطريق وصار القتل حتما لا يجوز العفو عنه - وأخذ المال يتعلق به القطع في غير قاطع، فغلظ ذلك في قاطع الطريق بقطع الطرفين - وإن جمعوا بين القتل وبين أخذ المال جمع في حقهم بين القتل وبين الصلب ولما في الصلب من زجر للآخرين عن الإقدام على مثل هذه المعصية 76 - وتفصيل الكلام في أحكام الحرابة بأكثر من ذلك في مظانه من كتب الفقه.

قوله: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾ اختلف في المراد بالنفي - فقد قالت الحنفية: النفي من الأرض معناه الحبس - وهو اختيار أكثر أهل اللغة - ووجه القول بأنه الحبس أن النفي إما أن يكون المراد منه النفي من جميع الأرض، وذلك غير ممكن - وإما أن يكون المراد إخراجه من تلك البلدة إلى بلدة أخرى فهو غير جائز، لأن المقصود من نفيه أن يندفع شره عن المسلمين - فإذا أخرج إلى آخر استضر أهله به - وإما أن يكون المراد إخراجه إلى دار الكفر وهو كذلك غير جائز لما في إخراج المسلم إلى دار الكفر من تعريض له بالردة وهو غير جائز - فإذا بطل الكل لم يبق إلا أن يكون المراد من النفي نفيه عن جميع الأرض إلا مكان الحبس - والمحبوس يسمى منفيا من الأرض لأنه لا ينتفع بشيء من طيبات الدنيا ولذاتها بل ينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها.

وقال الشافعي: معناه، إن وجد الإمام هؤلاء الحاربين قتلهم وصلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف - وإن لم يجدهم طلبهم أبدا حتى إذا قدر عليهم فعل بهم ما ذكرناه - وهو قول أحمد وإسحق - وجملة ذلك أن المحارب يطلب حتى إذا قدر عليه أقيم عليه الحد أو يظل هاربا فزعا إلى أن يتوب ويرجع.

وقال الإمام مالك: ينفي من البلد الذي أحدث فيه جنايته إلى بلد آخر ويحبس فيه كالزاني - وقيل غير ذلك.

والذي نختاره في معنى النفي من الأرض أنه النفي من بلد إلى غيره وحبسه فيه حتى تظهر توبته من فسوقه ونزوعه عن معصيته ربه 77.

قوله: ﴿ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ اسم الإشارة ﴿ذلك﴾ في محل رفع مبتدأ - وجملة ﴿لهم خزي﴾ من خبر مقدم ومبتدأ - والجملة في محل رفع خبر للمبتدأ الأول (اسم الإشارة) - واسم الإشارة عائد على ما فصل من الأحكام والأجزية التي يستحقها قطاع الطرق ما بين قتل وصلب وقطع للأيدي والأرجل من خلاف ونفي من الأرض، فذلك كله خزي لهم أي ذلة وفضيحة في هذه الدنيا - وكذلك لهم في الآخرة ﴿عذاب عظيم﴾ حيث النار والأهوال - وذلك إذا لم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا - أما إن تابوا في الدنيا قبل الممات فإن الله تواب رحيم - وفي ذلك روى أحمد والترمذي وابن ماجه عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أذنب في الدنيا فعوقب به فالله أعدل من يثني عقوبته على عبده - ومن أذنب ذنبا في الدنيا فستره وعفا عنه فالله أكرم من أن يعود عليه في شيء قد عفا عنه ".

34 - (إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

قوله: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعملوا أن الله غفور رحيم﴾ اختلف العلماء في تأويل هذه الآية - فقد قال بعضهم: معنى ذلك: إلا الذين تابوا من شركهم ومناصبتهم الحرب لله ولرسوله والسعي في الأرض بالفساد بالإسلام والدخول في الإيمان من قبل قدرة المؤمنين عليهم فإنه لا سبيل للمؤمنين عليهم بشيء من العقوبات التي جعلها الله جزاء لمن حاربه ورسوله وسعى في الأرض فسادا من قتل أو صلب أو قطع يد ورجل من خلاف أو نفي من الأرض فلا تبعة عليه لأحد فيما كان أصاب في حال كفره وحربه المؤمنين في مال ولا دم ولا حرمة.

التفسير الشامل للقران الكريم · الصفحة ٦٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التفسير الشامل للقران الكريمص ٦٣٩