قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ متعمداً، منصوب على الحال من الضمير في " قَتَلَهُ " وجزاء مبتدأ مرفوع - وخبره محذوف وتقديره: فعليه جزاء (206) ويراد بالمتعمد هنا القاصد لقتل الصيد مع علمه بالإحرام - والمخطئ هو الذي يقصد شيئاً فيصيب صيداً - وأما الناسي فهو الذي يتعمد الصيد ولا يذكر إحرامه.
أما حكم ذلك فهو موضع خلاف بين العلماء - وفيه جملة أقوال هي:
القول الأول: عدم الحكم على من أصاب الصيد خطأ - وإنما يحكم على من أصابه متعمداً - وعلى هذا فالتكفير إنما يكون في العمد - وهو مروي عن ابن عباس - وقال به طاووس، استناداً إلى ظاهر الآية.
القول الثاني: عدم الحكم على من أصاب الصيد مخطئاً أو ناسياً - وهو قول داود الظاهري وأبي ثور - وهي رواية عن أحمد - وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير مثل ذلك - ودليل ذلك أن الله خص المتعمد بالذكر، فدل ذلك على أن غيره بخلافه - وغيره يعني المخطئ والناسي - والأصل براءة الذمة - فمن ادعى شغلها جاء بالدليل.
القول الثالث: العامد والناسي والمخطئ سواء في وجوب الجزاء عليه - وعلى هذا يحكم على قاتل الصيد في العمد والخطأ والنسيان - وهو قول الجمهور - قال الزهري في هذا الصدد: وجب الجزاء في العمد بالقرآن - وفي الخطأ والنسيان بالسنة - أي أن القرآن دل على وجوب الجزاء على المتعمد وعلى تأثيمه بقوله: ﴿لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ أما السنة فتضمنت من أحكام النبي صلى الله عليه وسلم وأحكام أصحابه ما يوجب الجزاء في الخطأ مثلما دل عليه الكتاب في العمد.
القول الرابع: أن يقتله متعمداً لقتله وهو ناسٍ لإحرامه فعليه الجزاء - أما إن قتله متعمداً غير ناس أنه محرم وهو لا يريد غيره فقد حل وليس له حج لارتكابه محظوراً من محظورات الإحرام - وذلك كما لو تكلم في الصلاة أو أحدث فيها فإنها تبطل.
أما الحرم من حيث مكانه فهو حرمان: حرم مكة وحرم المدينة - وحرم المدينة لا يجوز لأحد أن يصطاد فيه ولا أن يقطع فيه شجراً - وهو في ذلك كحرم مكة - فإن فعل أثم ولا جزاء عليه عند المالكية والشافعية - واحتجوا لتحريم الاصطياد فيه أو قطع شجره بما روي في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم المدينة مثل ما حرم به مكة ومثله معه - لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها - ولا ينفّر صيدها " وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في المدينة: " ما بين لابتيها حرام " وبذلك فإنه يحرم صيد المدينة كحرمته في مكة - بخلاف الحنفية إذ قالوا: صيد المدينة غير محرم.
قوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قرئ قوله: ﴿فَجَزَاءٌ﴾ على عدة قراءات أظهرها رفع جزاء وتنوينه - ومثل، صفته - وخبر المبتدأ مضمر، وهو ما بيناه سابقاً - والتقدير: فعليه جزاء مماثل لازم من النعم - وعلى هذا فالمثل هو الجزاء - وذلك يدل على وجوب الجزاء من مثلما قتله المحرم إذا كان له مثل من الحيوان الإنسي - وهو قول الجمهور خلافاً لأبي حنيفة، إذ أوجب القيمة سواء كان الصيد المقتول مثليّاً أو غير مثلي - وقال: يقوّم الصيد دراهم في المكان الذي قتله فيه، أو في أقرب موضع إليه فيشتري بتلك القيمة هدياً إن شاء أو يشتري بها طعاماً ويطعم المساكين كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر.