جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما- لما سأل الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن آيات الإسلام ، فقال الرسول- صلى الله عليه وسلم- : (( أن تقول أسلمت وجهي لله عز وجل وتخليت، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ثم قال : " كل مسلم على مسلم حرام أخوان نصيران ، لا يقبل الله عز وجل من مشرك بعد ما أسلم عملاً أو يفارق المشركين إلى المسلمين)) 6
فتأمل رحمك الله كيف أنه صلى الله عليه جعل ذلك شرطاً في قبول العمل ، ولا شك أن هذا مقتضٍ البغض في الله لأعداء الله عز وجل من الكافرين والمرتدين . قال شيخ العلامة سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله عليهم- : ( فهل يتم الدين أو يقام علمُ الجهاد أو علمُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالحب في الله والبغض في الله ، والمعاداة في الله والموالاة في الله ، ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة ومحبة من غيرعداوة ولا بغضاء لم يكن فرقاناً بين الحق والباطل ، ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ) 7
الحب في الله والبغض في الله من مكملات حب الله عز وجل وحب الرسول صلى الله عليه وسلم فإن حب الله وحب الرسول من أعظم الفرائض والواجبات وآكدها ، وفي المقابل فإن بغض رسوله أو بغض شيء مما جاء عن الله أو صحّ عن رسول الله فهو من أنواع الردة والخروج عن الملة .
الناظر إلى واقع المسلمين الآن يجد أنهم قد ضيّعوا هذا الأصل ، فربما كان الحب من أجل شهوات فيتحابون من أجل المال ، ويتباغضون من أجل المال ، ويتحابون من أجل القبيلة والعشيرة ويتباغضون من أجلها ، فإذا كان الشخص من قبيلتهم أحبوه ولو كان كافراً ولو كان تاركاً للصلاة مثلاً ، والشخص يبغضونه إن لم يكن منهم أو من عشيرتهم ولو كان أفضل الناس صلاحاً و تقي ، وربما حصل الحب من أجل وطن أو من أجل قومية ، وكل ذلك لا يجدي على أهله شيئاً ، ولا تنفع هذه الصلاة وتلك المودات ؛ فلا يُبتغى بها وجه الله ولا قيمة لها عند الله .
وقد أشار إلى هذا ابن عباس حبر هذه الأمة وترجمان القرآن فيما معناه : [" من أحب في الله وأبغض في الله ، ووالى في الله وعادى في الله ؛ فإنما تُنال ولاية الله بذلك "] أي إذا أردت أن تكون ولياً من أولياء الله عليك بهذا الأمر .
ثم قال ابن عباس : [" ولن تجد أحدٌ طعمَ الإيمان إلا بذلك ، وقد صارت عامة
مؤاخاة الناس لأجل الدنيا ، وذلك لا يُجدي على أهله شيئاً "] وصدق- رضي الله عنه- ،فهذا في كتاب الله عز وجل ، قال تعالى : (( إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ)) (البقرة:166) .
قال ابن عباس ومجاهد : ( المراد بالأسباب هنا : المودات والصلات التي ليست لأجل الله تعالى ) ز
لماذا ؟ لأن الحب في الله والبغض في الله يراد به وجه الله ،والله تعالى هو الباقي سبحانه الدائم ، فلهذا ما كان لله يبقى ، أما ما لم يكن لله فهو يضمحل، فالشخص الذي يحب آخر من أجل الدنيا هذه الرابطة تنتهي وتفني وتتقطع وتجد أن هؤلاء يتعادون .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- : ( والناس إذا تعاونوا على الإثم والعدوان أبغض بعضهم بعضاً، وإن كانوا فعلوا بتراضيهم ).
قال طاووس : ( ما اجتمع رجلان على غير ذات الله إلاَّ تفرقا عن تقال، إلى أن قال : فالمخالة إذا كانت على غير مصلحة الاثنين كانت عاقبتها عداوة ، وإنما تكون على مصلحتها إذا كانت في ذات الله ) 8 .
وهذا واقع ؛ فنجد الذين يجتمعون على شر أو فساد - مثلاً - سرعان ما يتعادون وربما فضح بعضهم الآخر .
قال أبو الوفاء بن عقيل ( 513هـ ) رحمه الله : ( إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك ، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة ) .
ثم قال رحمه الله : (عاش ابن الراوندي والمعري عليهم لعائن الله ينظمون وينثرون كفراً ، عاشوا سنين وعُظمت قبورهم واشترت تصانيفهم ، وهذا يدل على برودة الدين في القلب ) .
والآن أيها الإخوة تجدون كثيراً من المجلات والصحف والمؤلفات الساقطة التي تحارب دين الله عز وجل ؛ ومع ذلك ترى الكثير من أهل الصلاة قد انكبوا على شرائها أو الاشتراك فيها .
نحن في زمان حصل فيه تلبيس وقلب للمفاهيم ؛ فتجد بعض الناس إذا تحدث عن الحب في الله والبغض في الله قال : هذا يؤدي إلى نفرة الناس ، يؤدي إلى كراهية الناس لدين الله عز وجل .