ـ والثاني : القياس على الحال الأولى المتفق عليها ، وهي : عدم اشتراط المحرمية للمرأة التي تنتقل من بلد لا تستطيع إظهار دينها الواجب فيه . ويَعْضده ما حكاه الحافظ في : "الفتح" (4/91) بقوله : "وقد احتج له بحديث عَدِيّ بن حاتم مرفوعاً: "يوشك أن تخرج الظعينة من الحِيْرة تؤم البيت لا زوج معها" الحديث . وهو في البخاري . وتُعقِّب بأنه يدل على وجود ذلك على جوازه. وأجيب بأنه خبر في سياق المدح ورفع منار الإسلام ، فيُحمل على الجواز" أ.هـ. وكذلك ما حكاه ابن الملقن في : "الإعلام" (6/82) بقوله : "قال ابن بزيزة : والصحيح عندنا أن فريضة الله لازمة والمؤمنون إخوة ، وطاعة الله واجبة ، وقد قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" ، والمسجد الحرام أجل المساجد فكان داخلاً تحت مقتضى هذا الخبر" أ.هـ. لكنه قال : "ولا يَتَّجه ذلك لكونه عاماً في المساجد ، فيمكن أن يخرج عنه المسجد الذي يحتاج إلى السفر في الخروج إليه بحديث النهي"أ.هـ. وبنحوه في "الفتح" (4/91) .وكذلك قول ابن عبد البر في : "التمهيد" (21/52): "ليس المَحْرَم عند هؤلاء من شرائط الاستطاعة ، ومن حجتهم : الإجماع في الرجل يكون معه الزاد و الراحلة ـ و فيه الاستطاعة ، ولم يمنعه فساد طريق ولا غيره ـ أن الحج عليه واجب . قالوا : فكذلك المرأة ؛ لأن الخطاب واحد ، والمرأة من الناس" أ.هـ.
تنبيه: ـ
للقول بعدم شرطية المحرم في الحج الواجب ـ شرط ، وهو الأمن على المرأة ، لكن اختُلِف بما يقع ، قال الموفق ابن قدامة رحمه الله في : "المغني" (5/31) : "قال ابن سيرين : تَخْرج مع رجل من المسلمين لا بأس به . وقال مالك : تخرج مع جماعة النساء . وقال الشافعي : تخرج مع حُرَّة مسلمة ثقة. وقال الأوزاعي : تخرج مع قوم عدول ، تَتَّخذ سُلَّماً تصعد عليه وتنزل. ولا يقربها رجل ، إلا أنه يأخذ رأس البعير وتضع رجلها على ذراعه" أ.هـ المراد. وقال النووي رحمه الله في: "شرح مسلم" (9/148) : "وقال عطاء وسعيد بن جبير وابن سيرين ومالك والأوزاعي والشافعي في المشهور عنه : لا يشترط المحرم، بل يشترط الأمن على نفسها . قال أصحابنا : يحصل الأمن بزوج أو محرم أو نسوة ثقات ، ولا يلزمها الحج عندنا إلا بأحد هذه الأشياء ، فلو وجدت امرأة واحدة ثقة لم يلزمها ، لكن يجوز لها الحج معها ، هذا هو الصحيح . وقال بعض أصحابنا : يلزمها بوجود نسوة أو امرأة واحدة ، وقد يكثر الأمن ولا تحتاج إلى أحد ، بل تسير وحدها في جملة القافلة وتكون آمنة . والمشهور من نصوص الشافعي وجماهير أصحابه هو الأول" أ.هـ.
والمقصود وجود الأمن على المرأة في ذلك كما سبق ، ويكفي ظن وقوعه بلا شَرْط العلم ، كسفر المرأة للحج الواجب مع جَمْعٍ من النساء في (حملة حجٍ) رسميَّة؛ لأنها رفقة مأمونة عادة ، قال ابن الملقن رحمه الله في : "الإعلام" (6/82) : "والذين لم يشترطوه ـ أي : المحرم ـ قالوا : المشترط الأمن على نفسها مع رفقة مأمونين رجالاً أو نساء" أ.هـ. المراد . وكذا أمن الطريق ، وهو ظاهر ، وأشار الحافظ في : "الفتح" (4/91) إليه بقوله : "جواز سفر المرأة مع النسوة الثقات إذا أمن الطريق" أ.هـ.
فائدة :ـ
حديث : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها حُرْمة" ـ أي : ذو مَحْرَميَّة ـ " وقد خَرَّجه البخاري (رقم:1088) ومسلم (رقم : 1339) . وفي لفظ : "لا تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم" ـ أي : فيَحِلّ ـ : قد أُجيب عنه بأجوبة ، منها قول أبي العباس القرطبي في : "المُفْهِم" (3/450) : "إن المنع في هذه الأحاديث إنما خرج لما يُؤدِّي إليه من الخلوة، وانكشاف عوراتهن غالباً . فإذا أُمِن ذلك ، بحيث يكون في الرفقة نساء تنحاش إليهن ، جاز . كما قاله الشافعي ومالك"أ.هـ.
وَصْلٌ : الظاهر إلحاق الأسفار الواجبة بالحج ، وهو المشهور . قال ابن بطال في : "شرح صحيح البخاري" (4/533) : "ألا ترى أن عليها أن تهاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام إذا أسلمت فيه ـ بغير محرم ، وكذلك كل واجب عليها أن تخرج فيه" أ.هـ المراد .
{ وثالث الحالات : أن تسافر المرأة سفراً غير واجب ، كعمرة مستحبة أو زيارة لذوي رحم . فهذه الحال السفر فيها يأتي على ضربين :