وبناء عليه أجاز فقهاء الحنفية والشافعية والزيدية والهادوية الاستعانة بالكفار والمشركين في القتال (4) مستدلين باستعانته صلّى الله عليه وسلم بيهود بني قينقاع وأنه رضخ لهم (5) ، وباستعانته صلّى الله عليه وسلم بصفوان بن أمية يوم حنين، وبإخباره صلّى الله عليه وسلم أنه ستقع من المسلمين مصالحة الروم، ويغزون جميعاً عدواً وراء المسلمين.
وأجمع الفقهاء على جواز الاستعانة بالمنافقين والفساق، لاستعانته صلّى الله عليه وسلم بعبد الله بن أبي وأصحابه (6) .
والخلاصة: إن الإسلام لا يتوانى لحظة واحدة عن سعيه لإقامة علاقات طيبة مع غير المسلمين لتحقيق التعاون البنَّآء في سبيل الخير والعدل والبر والأمن وحماية الحرمات ونحو ذلك.
(1) المرجع السابق: ص 489.
(2) المرجع السابق: 440/2.
(3) سبل السلام: 50/4.
(4) ر : للتفصيل / جهاد، علماً بأن السيادة والراية تكون للمسلمين لا لغيرهم.
(5) أخرجه أبو داود في المراسيل وأخرجه الترمذي عن الزهري مرسلاً (نيل الأوطار: 223/7) والرضخ: العطية القليلة بشيء من الغنيمة.
(6) نيل الأوطار: 223/7 وما بعدها، سبل السلام: 49/4، البدائع: 101/7، مغني المحتاج: 222/4، البحر الزخار: 389/5، الميزان للشعراني: 181/2، الإفصاح لابن هبيرة: ص 438.
2 - الدعوة إلى الإسلام :
90 - ليس الإسلام فاتراً ولا منطوياً على نفسه، كما زعم بعض الكتاب الغربيين، وإنما الدعوة إلى الحق والخير وعقيدة التوحيد ركن أصيل من أركان الإسلام، والنشاط في هذه الدعوة فريضة مستمرة في كل زمان ومكان، فيأمر الله نبيه بتبليغ رسالته، كما تبين في وظيفة إعداد الدعاة (1) ، وبأن يبذل جهده في هذا التبليغ، فقال سبحانه: ﴿وجاهدهم به جهاداً كبيراً﴾ [الفرقان:52/25] وكان برسل الدعاة إلى الآفاق كما أوضحت، والقرآن يحرِّض المؤمنين على هذه الدعوة: ﴿ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله ﴾ [فصلت:33/41] بل يجعل الفلاح في الدار الآخرة وقفاً على هؤلاء الدعاة: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون﴾ [آل عمران:104/3] ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ [العصر:1/103-3].
91 - وواجب الدولة الإسلامية أصيل أيضاً في هذا المجال، باعتبار أن ولي الأمر يمثل جانب الخلافة عن الرسول عليه السلام في هذا الشأن، كما كان يفعل الخلفاء الراشدون ومن بعدهم. خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال في خطبته: (إني لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أبعثهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنة نبيكم، فمن فعل به ذلك فليرفعه إلي، أقصه منه، فقال عمرو بن العاص: لو أن رجلاً أدَّب بعض رعيته، أتقصه منه؟ قال: إي والذي نفسي بيده إلا أقُصُّه، وقد رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم أقص من نفسه) (2) .
__________
(1) ر : ف/70.
(2) جامع الأصول: 467/4، سيرة عمر بن الخطاب: 226/1.
وقال ابن قيم: الدعوة إلى الله والتبليغ عن رسوله شعار حزبه المفلحين وأتباعه من العالمين، كما قال تعالى: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، وسبحان الله وما أنا من المشركين﴾ [يوسف:12/ 108] (1) .
وهناك آية أخرى توضح واجب الدعوة على أتباع الرسول صلّى الله عليه وسلم من الحكام والأفراد لعموم الخطاب فيها، وهي قوله عز شأنه: ﴿وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ﴾ [الأنعام:19/6]. أي لأنذركم وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم، فالإنذار مباشرة للسامع ولمن بلغه السامع، ويؤكده قول النبي صلّى الله عليه وسلم : «نضَّر الله امرءاً سمع مقالتي، فوعاها، فأداها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» (2) فمهمة الفقيه الخطيرة تتمثل في الدعوة والتبليغ عن وعي وإدراك، لذا قال عليه الصلاة والسلام: «ما عُبد الله بشيء أفضل من الفقه في الدين، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد، ولكل شيء عماد، وعماد الدين الفقه) (3) .
3 - دفع شبهات أعداء الإسلام :
92 - إن من أهم واجبات ولاة الأمور هو المحافظة على الدين وعقائده، وإيضاح الشبهات وحل المشكلات ورد المفتريات وتزييف البدع، كما ذكر الماوردي في واجبات الإمام التي بينتها سابقاً.
وطريق ذلك إعداد العلماء المختصين وبث الدعاة في بلاد الإسلام قياماً بالواجب الكفائي. قال النووي في منهاجه: (ومن فروض الكفاية: القيام بإقامة الحجج العلمية (1) وحل المشكلات في الدين ودفع الشبهة) (2) وأضاف الشارح: وأما الآن وقد ثارت البدعة ولا سبيل إلى تركها تلتطم، فلا بد من إعداد مايدعى به إلى الملك الحق، وتحل به الشبهة، فصار الاشتغال بأدلة المعقول وحل الشبهة من فروض الكفايات .
__________
(1) أعلام الموقعين: 8/1، ط السعادة.
(2) حديث متواتر رواه الترمذي وغيره من أصحاب السنن عن ابن مسعود رضي الله عنه وغيره (النظم المتناثر من الحديث المتواتر للعلامة جعفر الحسني الكتاني).