تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويُمكن أن يُقال كذلك: كان في عهد خالد بن الوليد توجد الدولة الإسلامية والأرض الإسلامية التي يُمكن اللجوء والهجرة إليها، والتي بها يتمايز الصفان، فهل في زماننا توجد الأرض أو الدولة الإسلامية التي نحمل الناس على الهجرة إليها ليتمايز أتباع الطاغوت وجنده ممن سواهم؟!

فإن قيل: لا... لا يوجد، أقول: إذاً لا تحمل هذا على ذاك ولا تقس عليه!

قولهم: (وعندهم الدخول في الإسلام لا يكون بقول لا إله إلا الله فقط، ويردّون على قصة أسامة رضي الله عنه لمّا قتل الرجل، بأن ذمّ النبي صلى الله عليه وسلم له ما كان لأن أسامة قتل مسلماً بعد أن قال كلمة التوحيد، ولو كان الأمر كذلك لأقيم على أسامة الحد، ولمّا لم يحدث ذلك، فهمنا أن الرجل المقتول لم يدخل في الإسلام بنطقه كلمة التوحيد، وأن الذمّ لأسامة كان على شيء آخر وهو التسرّع في القتل مثلاً...).

أقول: حديث أسامة وعدم إقامة حد القتل على أسامة رضي الله عنه؛ لا يعني ولا يُفيد بأن الذي قال لا إله إلا الله لا يدخل الإسلام، وإنما يُفيد أن من قال لا إله إلا الله يدخل الإسلام ويُرفع عنه السيف في أجواء القتال، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة: (كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة)، أي جاءت تُحاججك وتتشفع لصاحبها وتُجادل عنه، وهي لا تتشفع إلا لمسلم موحد، ولا تُجادل إلا عن مسلم موحد!

فإن قيل: لماذا إذاً لم يقم النبي صلى الله عليه وسلم حد القتل على أسامة؟!

أقول: الذي أقال عثرة أسامة رضي الله عنه أنه كان متأولاً، لا يعلم أن من قال لا إله إلا الله في أجواء القتال ترفع عنه السيف؛ لاحتمال أن يكون متعوذاً قد قالها تقية وفرقاً من القتل لينجو، فلأجل ذلك أقال النبي صلى الله عليه وسلم عثرته بعد أن زجره ذلك الزجر البليغ، حتى أن أسامة رضي الله عنه - لشدة ما أغلظ عليه النبي صلى الله عليه وسلم منكراً عليه سوء صنيعه - قال: (حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم)!

مما يدل على ذلك حديث المقداد بن الأسود - فالسنة تفسر بعضها بعضاً - قال: يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقتله)، قال: فقلت يا رسول الله إنه قد قطع يدي ثم قال ذلك بعد أن قطعها، أفأقتله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال) [متفق عليه].

قال النووي في "الشرح" [2/106]: ("فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال"؛ فأحسن ما قيل فيه وأظهره ما قاله الإمام الشافعي، وابن القصار المالكي وغيرهما، أن معناه فإنه معصوم الدم محرم قتله بعد قوله لا إله إلا الله كما كنت أنت قبل أن تقتله، وإنك بعد قتله غير معصوم الدم ولا محرم القتل كما كان هو قبل قوله لا إله إلا الله) اهـ.

قلت: كونه معصوم الدم يعني أنه مسلم، وأن قوله أسلمت لله أو لا إله إلا الله قد نفعه وعصم دمه وماله كأي مسلم آخر، والذي جعل الصحابي غير معصوم الدم - لو قتله - هو أن الحجة الشرعية التي تُحرم قتل من كان هذا وصفه قد بلغته، فلم يعد يُعذر بالجهل ولا بالتأويل.

لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم له في المرة الثانية: (فإن قتلته، إنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال).

بينما أسامة رضي الله عنه لم تكن الحجة الشرعية قد بلغته فيما قد خالف فيه مجتهداً، فعُذر بالجهل والتأويل، والله تعالى أعلم.

أما قولهم: (وأيضاً يقولون إن اليهود كانوا يقولون لا إله إلا الله فلم تنفعهم ولم يدخلوا بها الإسلام حتى يخرجوا من كفرهم الذي وقعوا فيه...).

أقول: ليس الأمر كذلك، وإنما الذي حصل أن طائفة من اليهود اتفقوا فيما بينهم على أن يُظهروا الإيمان والصلاة أول النهار، ويُظهروا الكفر والارتداد آخره، ليجرئوا الناس على الردة ويصدوهم عن سبيل الله، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: 72].

قال ابن كثير في التفسير: (ليقول الجهلة من الناس: إنما ردهم إلى دينهم اطلاعهم على نقيصة وعيب من دين المسلمين).

ولما أنزل الله تعالى حكم وحد الردة؛ توقفوا عن هذا المكر والكيد، لكن أين الدليل مما تقدم على أن من قال لا إله إلا الله لا تنفعه ولا تدخله الإسلام، فالآية تتكلم عن قوم يُظهرون الإيمان والتوحيد في أول النهار وفي آخره يُظهرون الكفر والردة، والمسألة المستدل عليها، قوم أظهروا شهادة التوحيد وأقاموا الصلاة، ولم يُظهروا ضده من الكفر والشرك والردة؟!

وبالتالي فالدليل المذكور في واد، والمسألة المختلف عليها في وادٍ آخر ومختلف، لا يحمل هذا على ذاك إلا جاهل من ذوي الجهل المركب.

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ١٥١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ١٥١٨