وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ـ رحمه الله ـ :( ولا يحل لأحد أن يتكلَّم في الدين بلا علم ولا يعين من تكلَّم في الدين بلا علم ، أو أدخل في الدين ما ليس منه) [مجموع الفتاوى22/240] وقال كذلك:(فمن تكلَّم بجهل وبما يخالف الأئمة ، فإنَّه ينهى عن ذلك ويؤدَّب على الإصرار ، كما يُفعل بأمثاله من الجهال ، ولا يقتدى في خلاف الشريعة بأحد من أئمَّة الضلالة، وإن كان مشهوراً عنه العلم ، كما قال بعض السلف: لا تنظر إلى عمل الفقيه ولكن سله يصدقك)[مجموع الفتاوى22/227] وقال كذلك:( ومن تكلم في الدين بلا علم كان كاذباً وإن كان لايتعمد الكذب كما ثبت في الصحيحين عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما قالت له سبيعة الأسلمية وقد توفي عنها زوجها سعد بن خولة في حجة الوداع فكانت حاملاً فوضعت بعد موت زوجها بليال قلائل فقال لها أبو السنابل بن بعكك: ما أنت بناكحة حتى يمضي عليك آخر الأجلين ، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:(كذب أبو السنابل ، بل حللت فانكحي)[مجموع الفتاوى10/449].
* من يملك حقّ التكلُّم بالعلم :
ممَّا يهمُّ المسلم المعاصر لهذا الزمن ، أن تكون له بيِّنة لصفات من يؤخذُ عنهم العلم ، ومعرفة جليَّة لسمات أهله وأصحابه ؛ لئلاَّ يختلط عليه الحق بالباطل ، والصواب بالخطأ ، وليعبد الله على بصيرة وبيِّنة، خصوصاً أنّ أحاديث صريحة أتت عن رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في التحذير ممن يتقمصون مسوح العلم وينطقون به ، ومن أئمة الضلال الذين يحكمون بالجور والجهل ، ومن ذلك أنَّه ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال:(سيأتي على الناس سنوات خدَّاعات يُصَدَّقُ فيها الكاذب ، ويُكَذَّبُ فيها الصادق ، ويؤتمن فيها الخائن ، ويخوَّن فيها المؤتمن ، وينطق الرويبضة . قيل: وما الرويبضة؟قال: الرجل التافه ، يتكلم في أمر العامَّة) أخرجه ابن ماجه(4042) وأحمد في المسند[2/291]بسند حسن ، وانظر السلسلة الصحيحة للألباني(1887) وثبت عند أحمد من حديث أبي الدرداء أنَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ قال:(إنَّ أخوف ما أخاف عليكم الأئمة المضلون) [المسند6/441] وحدَّث عبدالله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ أنَّ رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال:(إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتَّى إذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهَّالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلُّوا وأضلُّوا) [أخرجه البخاري1/174،175 في كتاب العلم ، ومسلم واللفظ له4/258].
لأجل هذا يتحتَّم على مبتغي طريق الحق ، ومريد طوق النجاة وسبيل الفلاح أن يعرف صفات من يأخذ عنهم العلم ، لئلا يضيع الطريق الشرعي ، ويضل السبيل ، وسأذكرها في عدَّة نقاط:
* صفات من يؤخذ عنهم العلم:
1ـ خشية الله تعالى:
وهي صفة لصيقة بأهل العلم الراسخين الربَّانيين ، الذين يخشون ربهم ، ويراقبونه في ما دقَّ وكبر ، جليلاً كان أو حقيراً ، فخشية ربَّهم ملازمة لهم ، لا يحيدون عنها ولا يتحايلون عليها ، بل هم لله وبالله وعلى الله يفضون له جميع أمورهم ، ويتعلقون بحبال الرجاء والخشية منه ، ولهذا كان يقول جمع من أهل العلم كابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ وغيره: (كفى بخشية الله علماً ، وكفى بالاغترار به جهلاً) وحين نادى أحدهم الإمام الشعبي قائلاً له: يا عالم؟ فقال الشعبي:(إنَّما العالم من يخشى الله) وكان طلاب العلم لا يتلقون العلم إلاَّ عمَّن عرف بالخشية والخشوع ؛ فقد قال النخعي ـ رحمه الله ـ :(كان الرجل إذا أراد أن يأخذ عن الرجل نظر في صلاته وفي حاله وفي سمته ، ثمَّ يأخذ عنه).
2ـ تلقي العلم عن الراسخين في العلم:
وذلك لئلاَّ تكون له منهجية مبعثرة في قواعد الترجيح ، ودلائل الاستنباط ، وأن يكون تلقيه من أفواه العلماء وشفاههم ، فيكون متقناً للأحكام ، ولهذا كان السلف الصالح كالإمام الشافعي يقول:(من تفقه من بطون الكتب ضيَّع الأحكام) [تذكرة السامع والمتكلم/83].
فلا يعقل آيات الله ، ولا يفقه أحكامها ويستنبط دلائلها إلا البارعون في العلم ؛ كما قال تعالى:(وما يعقلها إلاَّ العالمون )العنكبوت(18) وكقوله تعالى:(وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردُّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)النساء(83). فأهل العلم هم أوْلى الناس باستنباط أحكام الدين وشرائعه.قال محمد بن سراقة البصري:حقيقة الفقه عندي: الاستنباط . قال تعالى:(لعلمه الذين يستنبطونه منهم) [المنثور في القواعد1/67 ـ بواسطة: أصول الإفتاء والاجتهاد التطبيقي 1/68 لمحمد أحمد الراشد] لهذا حثَّنا الله تعالى على سؤالهم إن أشكل علينا أمر شرعي ، فقال تعالى:(فاسألوا أهل الذكر إن كنت لا تعلمون) الأنبياء(7)