إن حقيقة دولة الدعوة لا تتجلى إلا في التجربة الإسلامية؛ لأن دار الإسلام هي الدار التي تعلوها أحكام الإسلام وعندما لا تعلوها أحكام الإسلام لا تكون إسلامية، وتصير خارج نطاق التجربة.
والإسلام يرفض إثبات اسم دار الإسلام لدولة لا تعلوها أحكام الإسلام ويعلن الفقه الإسلامي أن الدولة التي لا تعلوها هذه الأحكام ليست محسوبة على الإسلام.
وفي كل مراحل الدولة المسلمة... كان شرط الدعوة قائماً. ابتداًء من الخلافة الراشدة. حتى الملك العضود... كانت الدعوة.
أما التجارب التاريخية للأمم السابقة في العلاقة بين الدولة والدعوة فإنها تسمح بمتناقضات غاية في الخطورة، فالحضارة اليونانية والرومانية والفارسية... لم يكن لها اهتمام بالدين. وحتى الحضارة الكاثوليكية التي قامت على حقيقة التعصب الاستفزازي للمسيحية... كان هذا التعصب فارغاً من مضمون الدعوة.
حيث كانت صيغة هذا التعصب هي المزايدة بين الأمراء والاتهامات بالهرطفة والسيطرة المقيتة لرجال الدين... كانت هوساًً فارغاً من مضمون الدعوة. حتى مثال الدولة اليهودية كرمز للربط بين الدولة والدين يثبت ويؤكد أن دولة الدعوة ليست إلا الإسلام؛ لأن اليهود ليست لهم أية صلة باليهودية.
ومن هنا استحقت الدعوة الإسلامية، دون غيرها، أن تكون المقيمة لدولة الحق، واستحقت الخلافة الإسلامية أن تكون المقيمة لحضارة الحق.
ب) المضمون الحضاري لدولة الدعوة:
حضارة الحق... فلكل حضارة مضمون. والحركة صانعة الحضارة.
والحق هو مضمون الحركة الإسلامية وحضارتها.
ومن هنا كانت خصائص الحضارة الإسلامية صادرة عن مضمونها.
فالحق ومقتضاه من حيث الممارسة: الوحدة في معايير السلوك، والوحدة في معايير التعامل؛ وأبرز هذه المعايير هو العدل.
كذلك فللحق مقتضاه من حيث التعامل... وهو السيطرة.
وكذلك فإن الحق الذي تتبناه الحضارة يجب أن يستوعب الواقع البشري وهو العالمية، وأيضاً فإن الحق مقتضاه الاستمرارية...
ومن هنا يتحدد مقتضى الحق كمضمون للحضارة الإسلامية الذي تنشأ عنه خصائصها المستمدة من حركتها من البداية؛ لتكون:
ج) الصيغة السياسية للمضمون الحضاري:
بخصائصها الأساسية...
العدل... " السيطرة " " القوة " "الظهور ". العالمية. الستمرارية.
ولقد سبق القول في أن الحضارات السابقة حضارات مصنوعة جاء مضمون كل حضارة منها كرد فعل للحضارة التي تسبقها...
مثلما جاءت حضارة القوة المادية (الرومانية) كرد فعل لحضارة المثالية الخيالية (اليونانية) وجاءت حضارة الحاكم الإله... (الفارسية) كرد فعل للقوة المادية (الرومانية ".
ومثلما جاءت حضارة الفرد والقومية (الأوربية) كرد فعل للتعصب الكاثوليكي " الكاثوليكية ".
وهذا دليل على أنها حضارات لم تصنع على عين الله.
ودليل آخر على ذلك هو أن النظرية السياسية لكل حضارة لم تتكون إلا بعد فترة زمنية طويلة وقطع أشواط تاريخية عبر حياة الأمة... بل إن هناك أمماً لم تتكون نظريتها إلا في أواخر عمرها.
الأمر الذي يختلف تماماً في حضارة الأمة الإسلامية التي تكونت نظريتها السياسية في حياة مؤسسها الأول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من الحركة حتى الخلافة.
لأنها كانت الممارسة السياسية للمضمون الحضاري للأمة تعني أن يكون الموقف السياسي امتداداً طبيعياً لتاريخ الأمة وانسجاماً مطلقاً مع حضارتها.
وذلك يقتضي أن تجتمع في هذا الموقف كل الخبرة السياسية للأمة المأخوذة عن تراثها السياسي وتجاربها التاريخية.
ثالثاً
طبيعة الممارسة السياسية
أ) الموقف السياسي (نقطة البدء):
وكما تسهم كل نقطة عندما تتحرك في صنع الخط كذلك يسهم الموقف في تحديد اتجاه الخط السياسي للدولة وطبيعة البناء الحضاري للأمة في واقع الممارسة.
إذن فالموقف السياسي هو النقطة المتحركة الصانعة للخط السياسي.
ولإنشاء الموقف السياسي عدة قواعد:
الترتيب الإجرائي:
1) الحكم الشرعي في مضمون الموقف.
2) أثر الموقف على ولاء الجماعة.
فقد يكون الموقف صحيحاً ولكنه لا ينال إجماعة الجماعة حيث يسبب مجرد إعلانه انشقاقاً... عندئذ يكون الأولى ترك هذا الموقف حتى يتحقق الإجماع عليه وهذا ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما لم يعلن الدخول في معركة بدر حتى حقق إجماع المهاجرين والأنصار بعد أن قال له سعد بن عبادة سيد الأنصار: والله لو خضت بنا غمار هذا البحر لخضناه معك57.
إن مراعاة واقع الجماعة في اتخاذ القرار مبدأ سياسي هام يتجلى واضحاً في كل مواقف رسول الله صلى الله عليه وسلم السياسية58.
3) أثر الموقف في تحقيق الهدف العام للجماعة، وينقسم إلى ناحيتين:
أ) النتيجة العملية.
ب) الهدف الدعائي.
فقد يكون للموقف أثر صحيح من الناحية العملية. ولكنه يسبب اهتزازاً في صورة الدعوة أمام نظر الناس وهذا الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لايقتل عبد الله بن أبي سلول وهو مستحق للقتل قائلاً لعمر: دعه حتى لا يتحدث الناس بأن محمداً يقتل أصحابه59.
ومن هنا كانت الترجيحات هي أساس إنشاء الموقف السياسي بعد ثبوت الترتيب الإجرائي.
الترجيحات:
فعندما... ننشئ موقفاً سياسياً بصورة نظرية.