تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المواقف لا ينبغي أن تُبنى على الظن ولا على التصور أو التخيل، وإنما ينبغي أن تُبنى على واقع وحقيقة؛ لذا فلا غناء للموقف الصحيح من أن يؤسَّس على التثبت مما ينقل والتأكد من صدقه وصوابه، وهذا أمر ذو أهمية كبرى، وقد أرشدنا الله ـ تبارك وتعالى ـ إلى التثبت قبل الإقدام بقوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾[الحجرات: 6]، وقد قُرئ قوله ـ تعالى ـ «فتبينوا» بقراءة ثانية وهي: «فتثبتوا»، وقال ابن جرير ـ رحمه الله ـ: «فتبينوا» بالباء، يعني أمهلوا حتى تعرفوا صحته ولا تعجلوا بقبوله، وكذلك معنى «فتثبتوا»(5)، وقد بينت الآية ضرر عدم التثبت؛ إذ يجعل الإنسان نادماً على ما فعل «ولات حين مندم».

وعلى ما دلت عليه الآية السابقة دلَّ قوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: 94]، يقول ابن جرير: «إذا سرتم مسيراً لله في جهاد أعدائكم، فتأنوا في قتل مَنْ أشكل عليكم أمره فلم تعلموا حقيقة إسلامه ولا كفره، ولا تعجلوا فتقتلوا من التبس عليكم أمره، ولا تتقدموا على قتل أحد إلا على قتل من علمتموه يقيناً حرباً لكم ولله ولرسوله»(6)، وقد كان التثبت قبل الإقدام من سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فعن أنس بن مالك «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا غزا بنا قوماً لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر؛ فإن سمع أذاناً كف عنهم وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم»(7)، وقد تبرأ النبي -صلى الله عليه وسلم- من فعل خالد بن الوليد عندما أقدم على قتل الذين قالوا: «صبأنا» ولم يحسنوا أن يقولوا: «أسلمنا» فقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ابن الوليد ـ مرتين»(8)، قال الخطابي: «أنكر عليه العجلة وترك التثبت في أمرهم قبل أن يعلم المراد من قولهم صبأنا»(9).

5 ـ قبول الحق ممن جاء به:

الحق لا يستمد قيمته من قائله، أو من الظرف الذي قيل فيه، وإنما يستمد ذلك من كونه الحق؛ فالحق يحمل قيمة ذاتية مستقلة عن ظروف الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وإذا كان الحق يُقبل لأنه حق؛ فلذلك يُقبل الحق ممن جاء به، سواء كان من جاء به مسلماً أو كافراً، أو شريفاً أو وضيعاً؛ فقد يقول الكافر أو المنافق كلمة الحق، كما قد يقول المؤمن كلمة الباطل؛ لذلك جاء في وصية معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ التي سبقت وفاته بعدما حذر من زيغة الحكيم، وبين أن المنافق قد يقول كلمة الحق، وأن الشيطان قد يلقي كلمة الضلالة على لسان الرجل الحكيم قال: «فخذ العلم أنَّى جاءك؛ فإن على الحق نوراً»(10).

وقد حشر لسليمان ـ عليه السلام ـ جنوده من الجن والإنس والطير، وكان فيهم الذي يقدر على إحضار عرش ملكة سبأ في طرفة عين، ومع ذلك فلم يُخبر بخبر ملكة سبأ إلا هدهد، وقد قال الشيطان لأبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ: «إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي؛ فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح» وأبو هريرة لا يعرفه، فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأبي هريرة لما قص عليه ذلك: «أما إنه قد صدقك، وهو كذوب»(11)، فلم يمنع كونه شيطاناً أن يُقر الحق الذي قاله، لكن لا بد من الاحتراز في مثل ذلك؛ حيث لا يقبل منه إلا الجزء الذي تبينت حقيقته، ولعله لأجل ذلك عقَّب الرسول -صلى الله عليه وسلم- على قوله: «صدقك» بكلمة: «وهو كذوب» حتى لا يكون قوله: «صدقك» تعديلاً وتوثيقاً له يحمل السامع على قبول كل ما جاء به، وقد قال علي ـ رضي الله عنه ـ: «إن الحق لا يُعرف بالرجال»(12)، مما يعني تميز الحق وتفرده وقبوله ممن جاء به.

الموقف من فكر الكافر:

الكافر هو كل إنسان لم يؤمن بالله ورسوله محمد -صلى الله عليه وسلم-، ولم يدن بدين الإسلام سواء كان من أهل الكتاب اليهود والنصارى، أو كان من عبدة الأصنام والأوثان، أو كان ـ في ظاهره ـ لا يعبد شيئاً؛ فهذه الأصناف جميعها كفار، وعلى ذلك تطابقت أدلة الشرع من الكتاب والسنة، وأجمع على ذلك أهل الإسلام علماؤهم وعوامهم، بل الكفار أنفسهم يعلمون أن من دين المسلمين تكفير كل من لم يؤمن بالله ورسوله ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

والكافر قد يكون مقيماً بدار الإسلام إذا كان ذمياً أو دخل إليها بعهد أو أمان، كما قد يكون مقيماً ببلاد الكفر (دار الحرب، أو دار العهد)، والكلام هنا مقصور على الكافر المقيم بيننا؛ فهذا هو المقدور عليه:

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ١٢٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ١٢٧٣