تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يتضح مما سبق أن المتفق عليه من صفة أهل البغي أنهم طائفة من أهل الحق لهم منعة وشوكة يخرجون على الإمام لتأويل سائغ أخطأوا فيه ، وهؤلاء كأهل الجمل وصفين الذين خرجوا على علي t لظنهم أنه يعلم قتلة عثمان ولا يقتص منهم ، فإن كانوا بلا شوكة ولا منعة وخرجوا عن الإمام فحكمهم حكم قطاع الطريق عند الجمهور في ضمان ما أتلفوه وعدم سقوط تبعة قتالهم ، وإن كانوا خرجوا بلا تأويل ، بل عناداّ وامتناعاً عن الحق فهم محاربون ساعون في الأرض فساداً ، وكذا إذا كان التأويل غير معتبر على الصحيح فإذا كان الإمام عدلاً جاز له قتالهم ووجبت معاونته ، أما إذا لم يكن عدلاً بل فاسقاً فلا يجوز له قتالهم حتى يتوب ويقاتل بعد ذلك ، ولا يعان حال ظلمه كما قال الإمام مالك .

%%%

صفة قتالهم وأحكامهم

قال النووي في المنهاج : ولا يقاتل البغاة حتى يبعث إليهم أميناً فطناً ناصحاً يسألهم ما ينقمون ، فإن ذكروا مظلمة أو شبهة أزالها ، فإن أصروا نصحهم ثم آذنهم بالقتال ، فإن استمهلوا اجتهد وفعل ما رآه صواباً ولا يقتل مدبرهم ولا مثخنهم وأسيرهم ولا يطلق وإن كان صبياً أو امرأة حتى تنقضي الحرب ويتفرق جمعهم إلا أن يطيع باختياره ويرد سلاحهم وخيلهم إليهم إذا انقضت الحرب وأمنت غائلتهم ولا يستعمل في قتال إلا لضرورة ولا يقاتلون بعظيم كنار ومنجنيق إلا لضرورة كأن قاتلوا به أو أحاطوا بنا ولا يستعان عليهم بكافر ولا بمن يرى قتلهم مدبرين . 4/128.

قال ابن قدامة في المغنى (8/114): أهل البغي إذا تركوا القتال إما بالرجوع إلى الطاعة ، وإما بإلقاء السلاح ، وإما بالهزيمة إلى فئة أو إلى غير فئة ، وإما بالعجز لجراح أو مرض أو أسر فإنه يحرم قتلهم واتباع مدبرهم ، وبهذا قال الشافعي . وقال أبو حنيفة : إذا هزموا ولا فئة لهم كقولنا (أي لا يجوز قتلهم) وإن كانت لهم فئة يلجئون إليها جاز قتل مدبرهم وأسيرهم ، والإجازة على جريحهم ، وإن لم يكن لهم فئة لم يقتلوا لكن يضربون ضرباً وجيعاً ويحبسون حتى يقلعوا عما هم عليه ويحدثوا توبة . ذكروا هذا فى الخوارج .

ويروى عن ابن عباس t نحو هذا واختاره بعض أصحاب الشافعي لأنه متى لم يقتلهم اجتمعوا ثم عادوا للمحاربة ، ولنا ماروى عن على t عنه أنه قال يوم الجمل لا يذفف على جريح ، ولا يهتك ستر ولا يفتح باب ، ومن أغلق باباً أو بابه فهو آمن ولا يتبع مدبر (1) ، فإن قتل إنسان من مُنِعَ من قتله ضمنه لأنه قتل معصوماً لم يؤمر بقتله ، وفى القصاص وجهان . وأما أسيرهم فإن دخل فى الطاعة خلى سبيله ، وإن أبى ذلك وكان رجلاً جلداً من أهل القتال حبس ما دامت الحرب قائمة ، فإذا انقضت الحرب خلى سبيله وشُرط عليه أن لا يعود إلى القتال ، وإن لم يكن الأسير من أهل القتال كالنساء والصبيان والشيوخ الفانين خلى سبيلهم ولم يحبسوا في أحد الوجهين . وإن قتل أهل البغي أساري أهل العدل لم يجز لأهل العدل قتل أسراهم لأنهم لا يقتلون بجناية غيرهم . فأما غنيمة أموالهم وسبى ذريتهم فلا نعلم في تحريمه بين أهل العلم خلافاً .أهـ. باختصار .

قال الدسوقي في حاشية الشرح الكبير (4/299): يمتاز قتال البغاة عن قتال الكفار بأحد عشر وجهاً : أن يقصد بالقتال ردعهم لا قتلهم ، وأن يكف عن مدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا تقتل أسراهم ولا تغنم أموالهم ولا تسبى ذرا ريهم ولا يستعان عليهم بمشرك ولا يوادعهم على مال ولا تنصب عليهم الرعادات ولا تحرق مساكنهم ولا يقطع شجرهم .

قال الكاساني الحنفي في بدائع الصنائع (4/140): الإمام إذا قاتل أهل البغي فهزمهم وولوا مدبرين فإن كانت لهم فئة ينحازون إليها فينبغي لأهل العدل أن يقتلوا مدبرهم ويجهزوا على جريحهم لئلا يتحيزوا إلى الفئة فيمتنعوا بها فيكروا على أهل العدل ، وأما أسيرهم فإن شاء الإمام قتله استئصالاً لشأفتهم ، وإن شاء حبسه لاندفاع شره بالأسر والحبس وإن لم يكن فئة يتحيزون إليها لم يتبع مدبرهم ولم يجهز على جريحهم ولم يقتل أسيرهم لوقوع الأمن عن شرهم عند انعدام الفئة .أهـ.

مما سبق يتضح أن أهل البغي يقاتلون لدفع شرهم بعد إزالة شبهتهم ودعوتهم إلى الرجوع إلى الحق لقوله I: ) فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ( ، فلا يبدءون بالقتال قبل الإصلاح ، فإذا قوتلوا لا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح ولا يقتل أسير عند عدم وجود فئة لهم باتفاق عامة العلماء ، وعند وجود فئة لهم كذلك عند الجمهور خلافاً للحنفية . وأما الأموال والنساء والذراري فتحريمها باق بلا خلاف بين العلماء لأنهم مسلمون ، وأما نفوذ أحكامهم وقبول شهادتهم فالذي عليه الجمهور قبول شهادتهم وأنه ينفذ من أحكامهم ما ينفذ من أحكام قاضى أهل العدل وينقضي منها ما ينقضي من حكمه من حدود أقاموها وزكاة جمعوها وغيرها (روضة الطالبين 10/53-المغنى 8/119-حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4/300). خلافاً للحنفية الذين يرون عدم إنقاذ أحكامهم إلا في بعض الصور (بدائع الصنائع 7/142) ، والجمهور على أنهم لا يضمنون نفساً ولا مالاً مما أتلفوه حال القتال ولا يجب عليهم بعد توبتهم أو هزيمتهم قصاص ولا دية .

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ١٢٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ١٢٦٦