وهل أنا إلاّ مِنْ غزيِّة أن غوت
===== عويتُ وإن ترشد غزية أرشد
كما لم يبق ذلك الاعتداء على البريء بجريرة غيره، بل كل واحد مسؤول عن عمله: (وأنه لم يأثم امروء بحليفه، وأن النصر للمظلوم).
وقرر حق الجار: (وأن الحار كالنفس غير مضارٍ ولا آثم).
وقرر حرية البقاء في المدينة أو الخروج منها ( حرية الإقامة وحرية التنقل ) ما لم يصب الباقي أو الخارج ظلماً: (وأنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم وأثم).
وكانت أهم قواعد هذا الميثاق جعل القيادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورد الحكم إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم حيث خاطب المؤمنون بقوله: (وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله عزّ وجلّ وإلى محمد صلى الله عليه وسلم).
ونصّ في أثناء المعاهدة مع اليهود على ذلك: (وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حَدَث أو اشتجار يُخاف فساده فإن مردّه إلى الله عزّ وجلّ وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم) [النص الكامل لهذا الميثاق في السيرة النبوية (1/501) وما بعدها].
وبهذا الميثاق العظيم أحاط النبي صلى الله عليه وسلم الأمة الإسلامية بسياج قوي منيع داخليّ وخارجيّ، ووطّد دعامة الحكم بما أنزل الله، وأصبحت بذلك دولة الإسلام قائمة على أقوى الدعائم التي يجب توافرها لقيام الدولة العالمية الشرعية الخاتمة. بقيادتها النبوية، وأمتها المطيعة المقتدية، ومنهجها الشامل الواضح.
فإذا أضيف هذا إلى المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وبناء المساجد النبوي الشريف الذي كان منطلق الدعوة والتعليم والجهاد والمواساة، ومركز التجمع لكل ما يعنُّ من أمور الدولة الإسلامية من الشورى وغيرها، مع كونه مقراً لأداء الشعائر العبادية، فإن مقومات الدولة تكون قد اكتملت.
وأصبح المسلمون أمة تتربص بها قريش وأهل الجزيرة كلِّهم من ورائها، بل تتربص بها دول الكفر في الشرق والغرب. فماذا بعد؟
( 61 )
الإذن قي القتال
كان قتالُ المسلمين أعداءهم الكافرين في مكة دفاعاً عن أنفسهم محرّماً عليهم على الرغم من شدة الاعتداء عليهم كما مضى، وعندما فكّروا في ردّ الاعتداء عن أنفسهم أمر الله بكفِّ أيديهم، كما قال تعالى: (ألم تَر إلى الذين قيل لهم كُفُّوا أيديَكم، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يَخْشَون الناس كخشية الله أو أشد خشية، وقالوا ربَّنا لِمَ كتبت علينا القتال؟ لولا أخَّرتنا إلى أجل قريب؟ قل متاع الدنيا قليل والآخرة خيرٌ لمن اتقى ولا تظلمون فتيلاً) [النساء: 77].
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: (كان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة، وإن لم تكن ذات النُّصُب، وكانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين، والصبر إلى حين، وكانوا يتحرَّقون ويودُّون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم، ولم يكن الحال إذ ذاك مناسباً لأسباب كثيرة، منها قلة عددهم إلى كثرة عدد عدوهم) [تفسير القرآن العظيم (1/525)].
فالآية مدنية تحكي ما كان من أمر المسلمين في مكة من تحرقهم واشتياقهم لإذن الله تعالى لهم في قتال عدوهم دفاعاً عن دينهم وأنفسهم وأعراضهم، وتُعَجِّب من فريق منهم - وليس كلهم - تَقاعَس عندما فرض الله القتال في المدينة.
ويعقب سيد قطب رحمه الله على تعجيب الله من هذا الفريق المتحمِّس قبل فرض القتال، المتقاعس بعد فرضه فيقول: (وأغلب الظن أن هذا الفريق الذي تعنيه هذه الآيات كان من ذلك الصنف الذي يلذعه الأذى في مكة فلا يطيقه، ولا يطيق الهوان،وهو ذو عزة فيندفع يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأذن له بدفع الأذى، أو حفظ الكرامة، والرسول صلى الله عليه وسلم يتبع في هذا أمرَ ربه بالتريُّث والانتظار والتربية والإعداد وارتقاب الأمر في الوقت المقدّر المناسب، فلمَّا أن أمن هذا الفريق في المدينة ولم يعد هناك أذى ولا إذلال … لم يعد يرى للقتال مبرراً … وقد يكون هذا الفريق مؤمناً فعلاً بدليل اتجاههم إلى الله في ضراعة وأسى، وهذه الصورة ينبغي أن تكون في حسابنا فالإيمان الذي لم يتضح بعد … ليبلغ بالنفس إلى إخراج ذاتها من الأمر والاستماع فقط إلى أمر الله واعتباره هو العلة والمعلول والسبب والمسبِّب والكلمة الأخيرة، سواء عرف المكلف حكمتها أم لم تتضح له … لا جرم ينشأ عنه مثل هذا الموقف الذي يصوِّره السياق القرآني هذا التصوير، ويعجب منه هذا التعجب، وينفِّر منه هذا التنفير) [في ظلال القرآن (5/712،713) طبع دار الشروق] إهـ مع تصرّف واختصار.
حكمة الأمر بكف المسلمين أيديهم عن القتال في مكة