تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويكون الجهاد فرض عين أخيراً عند حضور القتال حتى لو لم يكن من أهل الفرض العيني فلو قُدِّر أنّ رجلاً لا يلزمه الجهاد العيني لبعد بلده عن بلد مسلم هاجمه العدو ، وكان في البلد المُهاجم ما يكفي من الجند لدحر العدو وهزيمته فتطوع للجهاد معهم فلما حضر الصف بدا له ألا يجاهد حُرم عليه الرجوع وترك الجهاد .

الأدلة :

1/ قوله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار .. )) .

2/ قوله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون )) .

قال ابن سعدي : (( أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالشجاعة الإيمانية والقوة في أمره والسعي في جلب الأسباب المقوية للقلوب والأبدان ونهاهم عن الفرار إذا التقى الزحفان )) .

قلت : ( والآية التي استدل بها ابن سعدي – رحمه الله – على تحريم الفرار محلّ خلاف بين العلماء .) .

قال الطبري : - رحمه الله – في تفسيره ( 9/ 201) : ( واختلف أهل العلم في حكم قول الله عز وجل ( ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة) .. هل هو خاص في أهل بدر أم هو في المؤمنين جميعاً ؟

فقال قوم: هو لأهل بدر خاصة ؛ لأنّه لم يكن أن يتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عدوه وينهزموا عنه فأما اليوم فلهم الانهزام ) .

قلت : والثبات للعدو حال الزحف واجب ما دام العدو مثل أو مثلى المسلمين عدداً فإن زادوا عن ذلك جاز للمسلمين الفرار أو الانحياز إلى فئة مؤمنة ؛ لأنّ الله تعالى حدّ المصابرة بالضعفين تخفيفاً على الأمة فقال : ( الآن خفف الله عنكم وعلم أنّ فيكم ضعفاً فإن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين ...) .

قال الجصاص في الأحكام ( 4/ 250) : ( فإنهم مأجورون بالثبات لهم إذا كان العدو مثلهم فإن كانوا ثلاثة أضعافهم فجائز الانحياز إلى فئة من المسلمين يقاتلون معهم ) .

وقال الشافعي في الأم (4/ 169) : ( فإذا غزا المسلمون أو غُزوا فتهيأوا للقتال فلقوا ضعفهم من العدو حُرم عليهم أن يولوا عنهم إلا متحرفين إلى فئة ) :

قلت : وتقييد الإمام الشافعي- رحمه الله- الملاقاة بالضعف في قوله : ( فلقوا ضِعْفَهم ) بناءً على آية المصابرة في سورة الأنفال حيث يقول الله تعالى : (الآن خفف الله عنكم وعلم أنّ فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين ) [ الأنفال : 66: كما تقدم بيانه .

قال الجلال السيوطي في ( الجلالين ص 385) ( خبر بمعنى الأمر : أي لتقاتلوا مثليكم ، وتثبتوا لهم ) .

قال صاحب المهذب ( 2/232) : ( وإذا التقى الزحفان ، ولم يزد عدد الكفار على مثلي عدد المسلمين ، ولم يخافوا الهلاك تعين عليهم فرض الجهاد ) .

وقال صاحب المغني ( 9/163) ( إذا التقى الزحفان ، وتقابل الصفان حرم على من حضر الانصراف ، وتعين عليه المقام ) .

3- القول الثالث :

ذهب أكثر العلماء إلى أنّ الجهاد فرضُ كفاية في أصله إلا في أحوال خاصة – تقدم ذكرها -.

وقال ابن النحاس في المشارع ( 1/98) : ( اعلم أنّ جهاد الكفار في بلادهم فرض كفاية باتفاق العلماء ... وحكى عن ابن المسيب وابن شبرمة أنه فرض عين ) .

وقال الجصاص في الأحكام ( 4/ 311) : ( الجهاد فرض على الكفاية ومتى قام به بعضهم سقط عن الباقين ) .

وقال الكاساني في ( البدائع : 7/97) : ( فإن لم يكن النفير عاماً فهو فرض كفاية ومعناه أن يفترض على جميع من هو من أهل الجهاد لكن إذا قام به البعض سقط عن الباقين ) .

وقال الدردير في الشرح الكبير ( 2/174 ) : ( الجهاد فرض كفاية ) .

وقال في مواهب الجليل ( 3/346) : ( الجهاد في أهم جهة كلّ سنة وإن خاف محارباً كزيارة الكعبة فرض كفاية ) .

قال ابن عطية في المحرر الوجيز ( 2/217) : ( واستمر الإجماع على أنّ الجهاد على أمة محمد صلى الله عليه وسلم فرض كفاية ، فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين إلا أن ينزل العدو بساحة الإسلام فهو حينئذ فرض عين ) .

وقال الشيرازي في المهذب ( 2/227) : ( والجهاد فرض ، والدليل عليه قوله تعالى : ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم ) وقوله تعالى : ( وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم )، وهو فرض على الكفاية ، إذا قام به من فيه كفاية سقط الفرض عن الباقين .. وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى لحيان وقال :" ليخرج من كل رجلين رجل" ثم قال للقاعدين :" أيكم خَلَفَ الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل نصف أجر الخارج"

ولأنه لو جُعل فرضاً على الأعيان لاشتغل الناس به عن العمارة وطلب المعاش فيؤدي ذلك إلى خراب الأرض وهلال الخلق .

وقال ابن قدامة : في الكافي (4/251) : ( وهو فرض لقوله تعالى : ( كتب عليكم القتال ) [ البقرة : 216] .

وقوله : ( انفروا خفافاً وثقالاً ) [ التوبة : 41] .

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ١١٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ١١٤٥