قال البيهقي في الدلائل: (وفي هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم أوعدهم بالذبح - وهو القتل في مثل تلك الحال - ثم صدَّق الله تعالى قوله بعد ذلك بزمان، فقطع دابرهم وكفى المسلمين شرهم...) [80].
رابعاً:
يذكر الكاتب أن الجهاد القتالي لم يشرع إلا عندما توفرت للمسلمين هذه الحقوق الثلاثة، فماذا لو كان يوجد للمسلمين حقان فقط من هذه الحقوق؟
إن الجواب عند الكاتب؛ أنه يقاتل دفاعاً عن هذين الحقين أيضاً، وذلك حيث يقول تحت عنوان؛ "فما الموجود اليوم مما يجب الجهاد في سبيله": (إن الموجود الأول هو دار الإسلام أو دور الإسلام، فقد تحولت الدار الواحدة إلى دور مستقلة متفرقة... والموجود الثاني من ذلك الكيانات الإسلامية المتمثلة في دول ذات انتماء إلى الإسلام، بقطع النظر عن مدى التزامها بالشرائع والأحكام الإسلامية، ولا شك أن الجهاد مشروع وقائم عندما يكون دفاعاً عن أي من هذين الحقين الموجودين...) [81].
والسؤال الذي نطرحه بعد هذا الكلام: ماذا لو كان الموجود حقاً واحداً من هذه الثلاثة؟ هل يكون الدفاع عنه مشروعاً أم لا؟
إن الإجابة المنطقية بعد ما رأينا من إجابة السؤال السابق؛ هي أن الجهاد سيكون أيضاً مشروعاً وقائماً كما في الحالة الأولى، وإلا كان الكاتب متناقضاً مع نفسه؛ إذ على أي شيء يعتمد في التفرقة بين حالة وجود حقين، وحالة وجود حق واحد.
وعليه فإننا نقول؛ إن المسلمين في العصر المكي كان لديهم حق واحد أو ركن واحد من هذه الأركان الثلاثة، هذا الركن أو الحق هو وجود الجماعة المسلمة؛ فالمسلمون في مكة لم يكونوا أفراداً متناثرين كما ذكر الكاتب في [ص: 74] من كتابه، بل كانوا جماعة منظمة لها قائد ترجع إليه، وما كان اجتماعه صلى الله عليه وسلم بهم في دار الأرقم إلا نوعاً من التنظيم الجماعي.
ومما يدل على ذلك أن الصحابة في مكة كانوا يستأذنونه في أمورهم، ولا يقضون أمراً إلا بإذنه، كما في حديث ابن عباس: (أن عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا: يا نبي الله كنا في عز ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة، قال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا...) [82]
إلى غير ذلك من الأدلة التي تدل على أن المسلمين كانوا بمكة جماعة لها إمام، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والعجيب أن الكاتب نفسه يعترف في كتابه "فقه السيرة"؛ بأن الرسول في مكة كان إماماً، إذ يقول تعليقاً على سِرِّية الدعوة في مكة: (ومن هنا ندرك أن أسلوب دعوته عليه الصلاة والسلام في هذه الفترة كان من قبيل السياسة الشرعية بوصف كونه إماماً، وليس من أعماله التبليغية عن الله تعالى بوصف كون نبياً) [83].
وهو في كتاب الجهاد يعرف أحكام الإمامة بأنها؛ (تلك التي خوطب بها أئمة المسلمين بدءاً برسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث هو الإمام الأعلى لسائر المسلمين...) [84].
فهو قد أثبت له صلى الله عليه وسلم حكم الإمامة بمكة، وهذا يعني أن هناك جماعة هو إمامها.
والمقصود؛ أن المسلمين في مكة كانوا جماعة من الناس متجانسين تجمع بينهم العقيدة الواحدة، ولهم إمام واحد، فكان مقتضى فهم المؤلف لقضية الجهاد أن يشرع الجهاد في العصر المكي دفاعاً عن وجود هذه الجماعة المتميزة بأفرادها، فلما لم يشرع الجهاد في مكة؛ دل على أن العلة ليست هي وجود الدولة بمقوماتها الثلاثة أو عدمها.
خامساً:
يخلص الكاتب من محاولته السابقة إلى أن الجهاد القتالي لم يشرع يوماً لإيجاد هذا الحق، بدعوى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقاتل في سبيل الحصول على دار إسلام، ولم يقاتل في سبيل بناء دولة إسلامية.
وأقول: إن كلام المؤلف هنا يناقض ما قرره هو نفسه في "فقه السيرة" حيث يقول: (أما معنى الجهاد: فهو بذل الجهد في سبيل إعلاء كلمة الله وإقامة المجتمع الإسلامي، وبذل الجهد بالقتال نوع من أنواعه، أما غايته فهو إقامة المجتمع الإسلامي وتكوين الدولة الإسلامية الصحيحة) [85].
وكلام الكاتب القديم هو الذي تدل عليه النصوص الشرعية، فإنه إذا كان الرسول لم يقاتل من أجل إقامة دولة، فإنه شرع ذلك لنا، والأحكام الشرعية لا تثبت بفعله صلى الله عليه وسلم فقط، بل تثبت بالقرآن الكريم، والسنة القولية والفعلية؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو القائل: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) [86].
ولا شك أن من إعلاء كلمة الله؛ إيجاد دولة للمسلمين يحكمون فيها بشرع الله عز وجل.
سادساً:
يشتد نكير الكاتب في مقدمة كتابه المشار إليه على ما يسمى بـ "الفكر الإسلامي"، ويرى أن من أكبر المشكلات في حياتنا الإسلامية اليوم إحلال الفكر الإسلامي محل العلم بحقائق الإسلام والتزود من أحكامه الفقهية الثابتة.
وهو يعرف "الفكر الإسلامي" بأنه: (يشمل سائر المحاولات الثقافية والدرسية للتعرف على جانب ما من جوهر الإسلام وحقيقته، كما يشمل سائر التصورات الذاتية التي يعود بها الدارس أو الباحث، دقيقة كانت أو سطحية، بل صحيحة كانت أم باطلة) [87].