تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذلك حيث يقول تحت عنوان "الجهاد إنما شرع دفاعاً عن شيء موجود": (ونعني به الجهاد القتالي، وذلك لأن هذا النوع من الجهاد لم يشرعه الله عز وجل إلا بعد أن أورث الله عباده المسلمين أرضاً ودولة وبعد أن مكن لهم دينهم الذي ارتضاه لهم متمثلاً في شرعة سائدة ونظام سلطوي... وهذا يعني أن المسلمين أصبحوا بذلك مُلاكاً لثروة تفوق في الأهمية ثروة الكنوز والأموال، ولا شك أن هذه الثروة ستثير طمع كثير من الأعداء بها أو تخوفهم منها، ومن ثم فإن من المتوقع أن يتحول الطمع إلى هجوم ابتغاء اقتناص هذه الثروة أو القضاء عليها، وهذا ما قد جرى في صدر الإسلام بعد استقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في المدينة المنورة فقد تألبت قوى الشر عليه وعلى من معه من المسلمين... وعندئذٍ ولهذا السبب شرع الله لهم الجهاد القتالي ليدافعوا به عن الحق الذي متعهم الله به وملكهم إياه، ونظراً إلى أن هذا الحق لم يكن موجوداً بحوزتهم من قبل فإن هذا النوع من الجهاد أيضاً لم يكن مشروعاً آنذاك، فهذا معنى قولنا: إنما شرع الله الجهاد دفاعاً عن شيء موجود... ولكن ما الذي يجب أن نبنيه على هذه الحقيقة الواضحة؟ إن الذي يجب أن نبنيه عليها هو أن الجهاد القتالي لم يشرع يوماً لإيجاد هذا الحق، أو هذه الثروة من العدم فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقاتل في سبيل الحصول على دار إسلام ولم يقاتل في سبيل بناء دولة إسلامية أو إيجاد حشد من المسلمين تتألف منهم تلك الدولة، ويتحقق بهم نظامها، وإنما قاتل بعد أن منحه الله كل ذلك حراسة له ودفاعاً عنه) [70].

* * *

ونكتفي بهذا القدر من كلام المؤلف لنكشف بحول الله عن جملة من الأخطاء التي وقع فيها، فأقول وبالله التوفيق:

أولاً:

وقع الكاتب في خلط شديد بين حكمة مشروعية القتال في العصر المدني فقط وبين العلة في تشريع الجهاد نفسه فاعتبرهما شيئاً واحداً، بينما هما في الحقيقة أمران متغايران.

ولست أقصد هنا ما يقصده الأصوليون؛ حين يتحدثون في باب القياس عن التعليل بالحكمة وهل يجوز أم لا؟ وذلك أنهم يفرقون بين الحكمة والعلة فيعتبرون الحكمة هي المصلحة التي قصد الشارع تحقيقها بتشريعه الحكم ويُعَرِّفون العلة بأنها الوصف الظاهر المنضبط الذي بني عليه الحكم وربط به وجوداً وعدماً؛ لأنه مظنة تحقيق المصلحة المقصودة من التشريع [71]، ويضربون لذلك مثالاً بأن الله؟ شرع القصر والفطر للمسافر، والحكمة من ذلك دفع المشقة ولكن هذه الحكمة أمر خفي غير منضبط، ولذا فقد أقام الشارع مقامها العلة وهي السفر لأنه أمر ظاهر منضبط فجعل الحكم مناطاً بنفس السفر لا بالمشقة.

قال الآمدي: (ولهذا فإنه لم يرخص للحمال المشقوق عليه في الحضر - وإن ظن أن مشقته تزيد على مشقة المسافر في كل يوم فرسخ وإن كان في غاية الرفاهية والدعة - لما كان ذلك مما يختلف ويضطرب) [72].

وقد اختلف الناس في التعليل بالحكمة.

قال الآمدي: (ذهب الأكثرون إلى امتناع تعليل الحكم بالحكمة المجردة عن الضابط، وجوزه الأقلون، ومنهم من فصل بين الحكمة الظاهرة المنضبطة بنفسها والحكمة الخفية المضطربة، فجوز التعليل بالأولى دون الثانية، وهذا هو المختار...) [73].

أقول: إنني أبادر فأوضح أن قضيتنا هنا ليست قضية جواز التعليل بالحكمة، حتى لا يُعترض علينا بأن الكاتب ربما كان من هؤلاء الأقلين الذين يرون جواز التعليل بالحكمة؛ لأن الحديث هنا ليس عن الحكمة من مشروعية الجهاد في الإسلام، ولكنه عن الحكمة من تشريع الجهاد على مراحل، وهذا كما ترى أمر آخر ينبغي أن لا تربط به أحكام الجهاد ذاتها.

وإني أضرب لذلك مثالاً يوضح ما أقول؛ فحين نقول - مثلاً - إن الله حرم الخمر وجعل علة التحريم الإسكار، ثم يأتي البعض فيجتهد في الحكمة من ذلك التحريم، فيقول؛ إن حكمة التحريم هي دفع المفاسد المترتبة على شرب الخمر، فهذا هو محل الحديث عن العلة والحكمة الذي يقصده الأصوليون.

أما حينما نقرأ قول عائشة رضي الله عنها: (... إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبداً...) [74]، فإننا نرى عائشة رضي الله عنها لا تتحدث عن علة تحريم الخمر والزنا، ولا حتى عن الحكمة من هذا التحريم، وإنما تتحدث عن الحكمة من تأخير التحريم، ولذا فإنه لا يجوز لأحد أن يقول إنه لو أسلم رجل الآن؛ فإنه يجوز له الزنا وشرب الخمر ويُكتفى بتعريفه آيات الجنة والنار حتى يقوى إسلامه، فيحرم عليه حينئذٍ الزنا والخمر... فهذا الكلام ما أظن عاقلاً يقوله.

وكذلك نقول هنا: إنه قد يجتهد البعض في الحكمة من عدم مشروعية الجهاد في مكة، لكن ليس له أن يعتبر أن ذلك هو علة الحكم نفسه، فيقول بما أن الحكمة من ذلك أن دولة الإسلام بأركانها الثلاثة لم تكن قد قامت في مكة، فإنه لا يقاتل إلا دفاعاً عن تلك الأركان.

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ١٠٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ١٠٧٥