تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تنبيهًا لا تفهيمًا فإنه يحسن تعريف الخبر كقول القائل: «اللَّهُ رَبُّنَا ومُحَمَّدٌ نَبِيُّنَا» حيث عرف كون الله ربنا وكون محمد نبينا وههنا لما كان الناس فقراء أمرًا ظاهرًا لا يخفى على أحد قال: «أَنْتُم الفُقراء» وقوله: «إلى الله» إعلام بأنه لا افتقارَ إليه ولا اتِّكال إلا عليه. وهذا يوجب عبادته لكونه مُفْتَقَرًا إليه وعدم عبادة غيره لعدم الافتقار إلى غيره ثم قال: ﴿والله هُوَ الغني﴾ أي هو مع استغنائه يدعوكم كل الدعاء وأنتم مع احتياجكم لا تجيبونه.

قوله: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهذا بيان لِغناه وفيه بلاغة كاملة لأن قوله تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أي ليس إذهابكم موقوفًا إلا على مشيئته بخلاف الشيء المحتاج إليه فإن المحتاج إلى الشيء لا يقال فيه: إنْ شَاءَ فُلاَنٌ هَدَمَ دَارَهُ وإنما يقال: لَوْلاَ حَاجَةُ السُّكْنَى على الجار لِبعْتُها، ثم إنه تعالى زاد على بيان الاستغناء بقوله: ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يعني إن كان يتوهم متوهم أنَّ هذا الملك كمال وعظمه فلو أذهبه لزال ملكه وعظمته فهو قادر أن يخلق خلقًا جديدًا أحسن من هذا (وأجْمَلَ) .

﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى الله بِعَزِيزٍ﴾ أي الإذهاب والإتيان. واعمل أن لفظة «العزيز» استعمله الله تارة في القائم بنفسه فقال في حق نفسه: ﴿وَكَانَ الله قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] وقال في هذه السورة: «عَزِيزٌ غَفُورٌ» واستعملة تارة في القائم بغيره فقال: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى الله بِعَزِيزٍ﴾ وقال: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] فهل هما بمعنى واحد أو بمعنيين؟ فنقول: العزيز في اللغة هو الغالب والفعل إذا كان لا يطيقه شخصٌ يقال: هو مغلوب بالنسبة إلى ذلك الفعل فقوله: «وما ذلك على الله بعزيز» أي ذلك الفِعل لا يغلبه بل هو هَيِّنٌ على الله وقوله:

﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] أي يحزنه ويؤذيه كالشُّغْل (الشَّاغِل) الغَالِبِ.

اللباب في علوم الكتاب · الجزء ١٦ · الصفحة ١٢٠

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اللباب في علوم الكتابج ١٦ · ص ١٢٠