«وَمَا لِي لَا أَغْضَبُ وَأَنَا آمُرُ أَمْرًا فَلَا يُتَّبَعُ» (١).
ثم قال: وَنَحْنُ نُشْهِدُ اللَّهَ عَلَيْنَا أَنَّا لَوْ أَحْرَمْنَا بِحَجٍّ لَرَأَيْنَا فَرْضًا عَلَيْنَا فَسْخَهُ إِلَى عُمْرَةٍ تَفَادِيًا مِنْ غَضَبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاتِّبَاعًا لِأَمْرِهِ. فَوَاللَّهِ مَا نُسِخَ هَذَا فِي حَيَاتِهِ وَلَا بَعْدَهُ، وَلَا صَحَّ حَرْفٌ وَاحِدٌ يُعَارِضُهُ، وَلَا خَصَّ بِهِ أَصْحَابَهُ دُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ، بَلْ أَجْرَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى لِسَانِ سراقة أَنْ يَسْأَلَهُ: هَلْ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ لِأَبَدِ الْأَبَدِ، فَمَا نَدْرِي مَا نُقَدِّمُ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَهَذَا الْأَمْرُ الْمُؤَكَّدُ الَّذِي غَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ.
وَلِلَّهِ دَرُّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله إِذْ يَقُولُ لسلمة بن شبيب، وَقَدْ قَالَ لَهُ: يَا أبا عبد الله كُلُّ أَمْرِكَ عِنْدِي حَسَنٌ إِلَّا خَلَّةً وَاحِدَةً، قَالَ وَمَا هِيَ؟ قَالَ: تَقُولُ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ. فَقَالَ: يَا سلمة! كُنْتُ أَرَى لَكَ عَقْلًا، عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَحَدَ عَشَرَ حَدِيثًا صِحَاحًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَأَتْرُكُهَا لِقَوْلِكَ؟!
قُلْتُ: حاصل ما تقدم جواز الأنساك الثلاثة: التمتع، والقران، والإفراد، وأن التمتع لمن أراد الحج والعمرة معًا ولم يسق الهدي واجب؛ ولذلك فهو أفضل
(١) أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٦)، قال: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما، به، وهذا سند رجاله ثقات وأخرجه ابن ماجه (٢٩٨٢)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (١٨٩)، وهو حديث صحيح لغيره.