أَبِي نُعَيم (١)، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَمِّعٍ، عَنْ هُرَيْر بن عبد الرحمن، عن جَدِّه، عن النبيِّ (ص) .
قَالَ أَبِي: وَسَمِعْنَا مِنْ أَبِي نُعَيم كتابَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ؛ الكتابَ كُلَّهُ، فَلَمْ يكنْ لِهَذَا الحديثِ فِيهِ ذِكْرٌ، وَقَدْ حدَّثنا غيرُ وَاحِدٍ (٢) عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ المُؤَدِّبِ.
قلتُ لأَبِي: الخطأُ مِنْ أَبِي نُعَيم، أَوْ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيبة؟
قَالَ: أَرَى قَدْ تابعَ أَبَا بكرٍ رجلٌ آخَرُ؛ إِمَّا محمدُ بْنُ يحيى أو غيرُهُ؛ فعلى هذا، يَدُلُّ (٣)
أنَّ الْخَطَأَ مِنْ أَبِي نُعَيم. يعني: أنَّ أبا نُعَيم
(١) هو: الفضل بن دُكَين.
(٢) منهم: هارون بن معروف؛ كما في المسألة (٣٨٥) .
(٣) كذا! وفاعل «يدل» ضمير مستتر يعود إلى غير مذكور، وهو مفهوم من السياق، أي: يَدُلُّ هذا الكلامُ وذِكْرُ المتابِعِ لأبي بكر، على أَنَّ الْخَطَأَ مِنْ أَبِي نُعَيْمٍ.
والأصْلُ في الذي يعود إليه ضميرُ الغائبِ: أن يكون مقدَّمًا؛ ليُعْلَمَ المعنيُّ بالضمير عند ذكره بعدَ مفسِّره، وأن يكون أقربَ مذكور.
لكنْ قد يُستغنَى عن ذِكْرِ المفسِّر: بما يدل عليه حِسًّا؛ نحو قوله تعالى: [يُوسُف: ٢٦] ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾، إذ لم يتقدَّم التصريحُ بلفظ «زَلِيخَا»؛ لأنها كانت حاضرة.
أو يُسْتغنَى عنه بما يدل عليه عِلْمًا؛ نحو قوله تعالى: [النّحل: ٦١] ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَآبَّةٍ﴾، أي: على الأرض.
أو بِذِكْرِ جُزْئِهِ أو كلِّهِ؛ نحو قوله تعالى: [التّوبَة: ٣٤] ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾، أي: المكنوزاتِ التي بعضُهَا الذهبُ والفضةُ.
وجُعِلَ من ذلك: قولُهُ تعالى: [المَائدة: ٨] ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ﴾، أي: العدل، وهو المصدرُ المفهومُ من الفعل «اعدلوا»، والمصدرُ جزءٌ من مدلول الفعل؛ لأنَّ الفِعْلَ يدل على الحدث - الذي هو مدلولُ المصدر - والزمان.
أو بذكر نظيره؛ منه قوله تعالى: [فَاطِر: ١١] ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾، أي: مِنْ عُمُرِ مُعَمَّرٍ آخرَ. أو بذكر مصاحبه؛ كقوله: [ص: ٣٢] ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾، أي: الشمسُ، أغنى عن ذكرها ذِكْرُ العشيِّ.
ومما ورد من ذلك في حديث النبي (ص): قولُهُ (ص) لعليٍّ ح: «إِنَّ لَكَ بَيْتًا فِي الجَنَّةِ، وَإِنَّكَ لَذُو قَرْنَيْهَا»، أي: ذو قرني الأمة، ولم يَجْرِ لها ذِكْرٌ؛ قاله أبو عبيد. ومثله قولُ الأعرابي: «ما بين لابَتَيْهَا أفقرُ مني»، يعني: المدينة.
انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (٣/٧٨- ٧٩)، و"غريب الحديث" للخطابي (٢/٣٣٢)، و"معاني القرآن" (٤/٧٧)، و"التفسير الكبير" للرازي (٣/٤٧)، و"الإنصاف، في مسائل الخلاف" (١/٩٦)، و"ارتشاف الضرب" (٢/٩٤١- ٩٤٣)، و"همع الهوامع" (١/٢٦٣) .