تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا ينبغي أن يكون العلم (رَحِمًا بين أهله).

وللعبد الفقير كُلَيْمة لاح لي برْقُها في هذا المكان. فأقول:

قضية الجزم بكون ابن طهمان لا يدلس فيها نظر عندي! وكذا الجزم باستبعاد أن يكون ما وقع لابن طهمان في هذا الحديث من قبيل الاختلاط أيضًا!

بل الأمران يدوران في دائرة الاحتمال عند التحقيق.

ومن كان مُخَلِّطًا أو مُتَكلَّمًا في حفظه بما ذكروه في حال ابن طهمان لا يُسْتَنْكَر على مثله التدليس حيثما وُجِدَتْ دلائله.

ولا يمنع من هذا أن يكون دلس بعض شيوخه الضعفاء في وقت، ثم أمسك عن التدليس في حق البعض في وقت آخر!

أما قضيتنا هنا: فالذي أميل إليه أن يكون ابن طهمان لم يدلس أبا داود الأعمى، وإنما اعتراه ما يصيب أمثاله من المختلطين بآخرة!

وهذا قد يقع للراوي المختلط الذي لا نعلم أحدًا- يُعْتَمَدُ عليه - رماه بتدليس أصلا!

فهذا الليث ابن أبي سليم إمام المختلطين! كان ربما ذكر اسم شيخه على ضروب متباينة؛ دون أن يكون داعيه إلى ذلك التدليس! وإنما هي آفة الاختلاط!

فقد روى حديثًاً عن شيخ له عن أبي هريرة، ثم اضطرب في اسم شيخه؟

فتارة يقول: (عن زياد بن أبي المغيرة أو زياد بن المغيرة) هكذا بالشك! وتارة لا يشك ويقول: (عن زياد أبي المغيرة)! وتارة يقول: (عن زياد بن الحارث)! وتارة يقول: (عن زياد)؟! ولا ينسبه!

ومعلوم أن الليث لم يكن في الحديث بالليث! وكان على ضعفه قد اختلط بأخرة حتى صار يصرخ بالآذان في غير وقته! وكثرت مناكير الروايات في حديثه!

وقد كان يمكن أن يكون شيخه هذا كذابًا أو دجالاً، فلذلك تلوَّن في روايته بامتطاء مركب التدليس! أعني تدليس الشيوح. وله من هذا القبيل نماذج ملموسة.

ومع هذا ما علمنا أحدًا من حُذاق المتقدمين قد نصَّ على كونه كان يدلس! بل انفرد بذلك - فيما نعلم - الحافظ النورُ الهيثمي في مواضع كثيرة من (كتبه)! وتعقبه الحافظ على ذلك!

فقد قال الهيثمي في (كشف الأستار): "وليث بن أبي سليم ثقة, ولكنه مدلس"! فتعقبه الحافظ في (مختصر زوائد البزار قائلا: "قلت: ما علمت أحدا صرح بأنه ثقة, ولا من وصفه بالتدليس قبل الشيخ"!

هذا والحافظ يدري أن مثل الليث لا يبعد في حقه التدليس! لكنه ربما نازع هنا لعلمه بكثرة أوهام شيخه الهيثمي إزاء الحكم على الرواة والنَّقَلَة. فكما وهم الرجل في دعواه أن الليث ثقة، فلا يبعد أيضًا أن يكون واهمًا في رمْيِه بالتدليس!

وتدليس الرواة إنما يُدْرَك بأمرين:

الأول: أن ينصَّ عالم متقدم حاذق على ذلك.

الثاني: أو يهتدي الباحث المحقق إلى هذا بالنظر الثاقب وما يتلوه من القرائن.

وخالد بن طهمان لم ينص أحدٌ من المتقدمين على تدليسه مع علم جماعة من الحذاق منهم بكونه روى عن أبي داود الأعمى!

فأبو حاتم الرازي قد جزم بروايته عنه. وعندما ترجم ابنه لـ (نافع بن أبي نافع) قال: "نافع بن أبي نافع: روى عن [معقل]، روى عنه: [خالد بن طهمان] "، ثم قال: "سئل أبي عنه فقال: هو أبو داود نُفيع، وهو ضعيف الحديث" [على ما صوَّبه الشيخ الحايك].

فلو كان أبو حاتم يرى هذا من قبيل التدليس لوصف ابن طهمان بذلك.

وابن الجوزي لم يصف ابن طهمان بالتدليس! لكنه فهمه من عبارة أبي حاتم! وأغلب الظن أن يكون الذهبي وابن حجر فَهِمَا منه كذلك.

وهذا الفهم يحق لغيرهم أن ينازعهم فيه بما قام عنده من برهان يدل على نقيضه أو خلافه.

فالحاصل: أن ابن طهمان جائز عليه التخليط في أسماء بعض شيوخه بما لا يكون من قبيل التدليس! وإنما هو من قبيل سوء الحفظ وعدم الضبط! تمامًا كما كان يقع لليث بن أبي سليم بما ذكرنا بعض نماذجه آنفًا.

فالليث: كان ربما يضطرب في اسم بعض شيوخه على عدة ألوان؟ ويكون صنيعه مما يماثل أو يشبه صنيع من كان يحترف (تدليس الشيوخ) من الضعفاء!

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٦٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٦٩٨