وأما أخيراً: فأشكر الدكتور خالد على ما لفت الانتباه من بعض الأمثلة التي قد يكون ثمة خطأ فيها لكننا نبين أن من الأمثلة وعند ابن عساكر ما يثبت أن عمر الدمشقي هو عمر بن أبي عمر فقال في ترجمته: عمر بن أبي عمر أبو محمد الكلاعي حدث عن عمرو بن شعيب وأبي الزبير ومكحول، روى عنه بقية بن الوليد وذكر له جملة من الروايات ...
أخبرنا أبو الحسن علي بن عبيدالله بن نصر: أنا أبو جعفر بن المسلمة: أنا أبو طاهر المخلص: نا يحيى بن محمد: نا محمد بن عمرو بن حنان الحمصي: نا بقية بن الوليد: حدثني عمر الدمشقي: نا مكحول عن أنس قال: يا رسول الله، الحائض تقرب إلى الوضوء في الإناء تدخل يدها فيه؟ قال: نعم، لا بأس به، ليس حيضتها في يدها ...
فهنا يثبت ابن عساكر في ترجمة عمر بن أبي عمر أنه عمر الدمشقي وينقل الروايات التي ساقها ابن عدي وكلها مخرجة في البحث.
ولعل لنا وقفة أخرى مع بعض الأمثلة الأخرى". انتهى كلامه.
فعلّقت على كلامه، فقلت:
"حياك الله دكتور عبدالسلام:
أولاً: الحس النقدي هو الحس الذي يكون في أعماق الناقد من خلال تعامله مع كلام أهل العلم وطرق نقدهم، ولا أظن هذا الحس حكراً على أحد، وإنما هو هبة من الله عزّ وجلّ.
ثانياً: الفكرة كما ذكرت لك طيبة وقد أنعم الله عليّ أن تكلمت عليها في رسالتي كما ذكرت لك، ولكن المشكلة في الأمثلة.
ثالثاً: المشكلة أخي ليست في "عمر الدمشقي"، فكلاهما قال عنه بقية: "عمر الدمشقي"، ولكن في إثبات أن عمر بن أبي عمر هو عمر بن موسى! ولا يوجد أي دليل علمي أو نقدي أو حسي على هذا!
رابعاً: مسألة تضعيف الرواة باعتبار الضعف أو الجهالة فالذي يهمنا النتيجة، فالنتيجة واحدة، وقد قال الذهبي بعد أن ذكر كل ذلك فيه: "وبكل حال هو ضعيف"، أي إذا كان مجهولاً فهو ضعيف لأن حديثه منكر، وإن كان هو عمر بن موسى فهو ضعيف، فالذي يهم هو النتيجة.
على كل حال: هذا ما عندنا وبارك الله فيك".
وقد علّق أخونا "أبو المظفر السنّاري" - وهو من طلبة العلم النبهاء - على كلام الأخ عبدالسلام في "ملتقى أهل الحديث"، فقال:
"أولاً: شكر الله للشيخ الفاضل عبدالسلام على هذا المبحث من كتابه، ولعله يفيدنا بالمزيد منه على صفحات هذا المنتدى ما تيسر له ذلك مشكورًا.
ثانيًا: أحسن الله إلى الشيخ خالد الحايك على تلك التعقبات السديدة التي ما فَتِيَء يُمتِّع النواظر بها حسبما اتفق له".
ثم علّق على كلام الأخ عبدالسلام: "وهذا البحث يبين أن ثمة فروقاً بين تضعيف الراوي ... لديهم أنه منكر الحديث ... "
قال: "هذا فهم بعيد عن شفوف أنظار النقاد ومسالكهم إزاء الحكم على الرواة والنَّقَلَة! بل قد رأينا النقاد ربما يصفون الراوي المجهول بالكذب والسقوط بمجرد رواية واحدة لا يعرفون لها أختًا؟! ومع إقرارهم بجهالته عندهم! فهم يرون أن روايته الساقطة هذه كافية بسقوطه أرضًا حيث لا نُهوض! فضلاً عن سقوط حفظه وضبطه البتة! ومع هذا تراهم يقرون بكونهملا يعرفونه أصلاً! والأمثلة في هذا الصدد معروفة مسطورة.
ولعل أظهرها: قول أبي زكريا الغطفاني الحافظ في رواية أحمد بن الأزهر النيسابوري عن عبدالرزاق لحديث الفضائل المشهور، قال: "مَنْ هَذَا الكَذَّابُ النَّيْسَابُوْرِيّ الَّذِي حَدَّثَ بِهَذَا عَن عَبْدِالرَّزَّاقِ؟ فَقَامَ أَبُو الأَزْهَرِ، فَقَالَ: هُوَ ذَا أَنَا. فتبسَّمَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، وَقَالَ: أَمَا إِنَّك لَسْتَ بكذَّابٍ" (والقصة مشهورة عند ابن البيِّع في علوم الحديث).
فانظر: كيف جزم ابن معين بكذب راوي الخبر عن عبدالرزاق قبل أن يعرف من يكون؟ لكنه رأى أن سقوط متن الخبر، مع انفراد من انفرد به عن عبدالرزاق - أحد أشياخ ابن معين - كافٍ بسقوط الرواي رأسًا! فضلاً عن سقوط ضبطه واتزان حفْظِه.