فهنا قد دلس بقية اسم شيخه وكنّاه، ولما سئل الإمام أحمد عن هذه الرواية قال: "كناه بقية (أبو محمد)، وهذا منكر! وما روى بقية عن بحير وصفوان والثقات يكتب، وما روى عن المجهولين لا يكتب".
وأخيراً، فإن الذي جعل الدكتور عبدالسلام أن يجعلهما واحداً هو بعض ما أشار إليه الإمام الذهبي ونقل ابن حجر له، مع ما بينا سابقاً أن قول الذهبي قائم على الظن دون دليل.
قال ابن حجر في "اللسان": "عمر الدمشقي: لا يُعتمد عليه ولا يُعرف، لعله الوجيهي ... وفي ثقات ابن حبان: عمر الدمشقي عن أم الدرداء الصغرى وعنه سعيد بن أبي هلال. قال ابن حبان: لا أدري من هو ولا ابن من هو! فيحتمل أن يكون هو هذا والراوي عن واثلة الآتي، وكلام ابن حبان وقع في الطبقة الثالثة من الثقات".
ثم قال تبعاً للذهبي: "عمر عن رجل عن القاسم أبي عبدالرحمن في اليمين: لا يعرف، ولعله الوجيهي".
قلت: الذي ذكره ابن حبان غير هذا الذي نتحدث عنه، وقد ترجمه الإمام البخاري في كتابه الكبير، ومنه أخذ ابن حبان.
قال البخاري: "عمر الدمشقي عن أم الدرداء، روى عنه سعيد بن أبي هلال، منقطع".
وترجمه ابن عساكر في "تاريخه"، فقال: "عمر بن حيان، روى عن أم الدرداء، ويُقال: روى عن من أخبره عن أم الدرداء".
والحاصل أن الأئمة المتقدمين فرّقوا بين عمر بن أبي عمر الكلاعي الدمشقي أبو محمد وأبو أحمد شيخ بقية المجهول، وبين عمر بن موسى بن وجيه الوجيهي الدمشقي، وهو معروف بكذبه ووضعه للحديث.
وقد روى عنهما بقية وحصل بعض الخلط بين حديثيهما كما فصلته آنفاً، ولله الحمد.
وكتبه:
د. خالد الحايك
15/ 6/2011 م
فعلّق الأخ الدكتور عبدالسلام على كلامي بقوله:
"أخي الدكتور خالد الحايك:
بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فأشكر لكم هذا الجهد الطيب وهذه النظرات العليمة الناقدة التي قد نتفق على بعضها ونختلف على الكثير ... لكن الحس النقدي هو ما ينقصنا في التعامل مع كل ما هو مكتوب ومسموع لأننا بشر نخطئ ونصيب ..
في أصل المسألة فرَّق العلماء في نقدهم للرواة بين اعتبارات النقد وإن كانت في النهاية تصل إلى تضعيف المروي لكنهم مع ذلك وفي بيانهم لمسائل الاعتبار والشاهد فرقوا بين صنوف التضعيف، وهذا البحث يبين أن ثمة فروق بين تضعيف الراوي على اعتبار الضبط وبين تضعيفه على اعتبار الجهالة ولا يمكن لنا الخلط بينهما فالناقد لما يقول: ضعيف لا يعرف؛ فالتضعيف لديه ليس للضبط إنما للجهالة، أما إن بين أنه ضعيف لضعف ضبطه فالأمر يتعلق بالمقارنات التي أحدثها النقاد لأحاديثه ووصل فيها إلى الحكم، وقد يجتمعان إذا قام الناقد بمقارنة كل روايات الراوي المجهول وتبين للنقاد أنها منكرة فيقول إنه مجهول ومنكر الحديث فهو مجهول لأنه لم يعرف شخصه لكنه لما قورن بغيره تبين أنما رواه مخالف فوصف النكارة ... وهذا يفترق تماماً عن قولهم في الراوي المعروف لديهم أنه منكر الحديث. هذا أولاً.
أما ثانيا: فقد فرق العلماء بين وصف الراوي بالجهالة وتضعيفه ضبطا فقد كشف النووي عن هذا الفرق وهو يصف نتائج عمل المدلسين لشيوخهم، بما يبين الفرق بين التضعيف والتجهيل، قال: "فيخرجه - أي الشيخ المُدَلَّسُ ـ عنحاله المعروفة بالجرح المتفق عليه وعلى تركه، إلىحالة الجهالة التي لا تؤثر عند جماعة من العلماء; بل يحتجون لصاحبها، وتفضيتوقفاً عن الحكم بصحته أو ضعفه عند الآخرين، وقد يعتضد المجهول فيحتجبه، أو يرجح به غيره، أو يستأنس به". (النووي، شرح صحيح مسلم، ج 1، ص 116 ـ 117).
وأيد ابن حجر هذا الأثر، وهو يبين مفاسد هذا النوع من التدليس فقال: "من مفسدته أن يوافق ما يدلس به شهرة راو ضعيف يمكن ذلك الراوي الأخذ عنه، فيصير الحديث من أجل ذلك ضعيفاً وهو في نفس الأمر صحيح. وعكس هذافي حق من يدلس الضعيف ليخفي أمره فينتقل عن رتبة من يرد خبره مطلقاً إلى رتبة من يتوقف فيه". (ابن حجر، النكت، ج 2، ص 628). هذا ثانياً.