كيف علمنا ؟ أنت لما تستشير ابنك أيضاً شيء كبير جداً ، يا بابا نريد أن نفعل كذا ما قولك ؟ يا لطيف ! يشعر بقيمته ، بمكانته ، أبي يستشيرني ، وقد تستمع إليه برأي حصيف وهو صغير .
يروى أن أبا حنيفة النعمان يمشي في الطريق رأى طفلاً أمامه حفرة ، قال له : إياك يا غلام أن تسقط ، قال له : بل إياك يا إمام أن تسقط ، إني إن سقطتُ سقطت وحدي ، وإنك إن سقطت سقط معك العالم ، أنا سقوطي لا شيء ، أما الإنسان القدوة إذا سقط سقطَ معه العالم .
سيدنا عمر بن عبد العزيز ، دخل عليه وفد المهنئين ، تقدمهم صبي صغير انزعج ، قال له : أيها الغلام اجلس ، وليقم من هو أكبر منك سناً ، غلام فصيح متكلم فقال : أصلح الله الأمير ، المرء بأصغريه قلبه ولسانه ، فإذا وهب الله عبداً لساناً ذاكراً ، وقلباً حافظاً ، فقد استحق الكلام ، ولو أن الأمر كما تقول لكان في الأمة من أحقّ منك بهذا المجلس ، أُعجب به .
موقف آخر ، عبد الملك بن مروان دخل عليه وفد المهنئين ، يتقدمهم صبي صغير ، فانزعج أيضاً ، قال لحاجبه : ما شاء أحد أن يدخل عليّ حتى دخل ؟ حتى الصبية ؟ فقام هذا الصبي الصغير وقال : أيها الأمير ! إن دخولي عليك لم ينقص من قدرك ولكنه شرفني ، أصابتنا سنة أذابت الشحم ، وسنة أكلت اللحم ، وسنة دقت العظم ، يبدو في جفاف فأصبحوا على شفا الموت جوعاً ، ومعكم فضول أموال ، فإن كانت هذه الأموال لله فنحن عباده ، تصدقوا بها علينا ، وإن كانت لكم أيضاً تصدقوا بها علينا ، وإن كانت لنا فعلامَ تحبسوها عنا ؟ فقال هذا الخليفة : والله ما ترك هذا الغلام لنا في واحدة عذراً .
مرة شاب يلقي درساً في مسجد ، شاب ناشئ ، تحلق الناس حوله وأحبوه كثيراً ، هذا أثار حفيظة كبار العلماء ، التقليل يُهين ، فجاء أحدهم كي يُصغره ، فجلس في مجلسه فلما انتهى الدرس قام هذا العالم المشهور ، وقال : يا هذا ، هذا الذي قلته ما سمعناه ، فالشاب أديب جداً ، قال له : سيدي وهل حصّلت كل العلم ؟ إذا قال نعم يكون أخطأ خطأ كبيراً ، قال له : لا ، قال له : كم حصلت منه ؟ قال له : شطره ، قال له : هذا الذي قلته من الشطر الذي لا تعرفه .
أحياناً الإنسان أديب لكن يجيب إجابة رائعة ، هذا من الشطر الذي لا تعرفه .
هناك شاب صغير يقوم بعمل (يقوم به الكبار عادة) ، فرجل أراد أن يُصغره ، فقال له : يا غلام ، كم عمرك ؟ قال له : عمري كعمر سيدنا أسامة بن زيد الذي قاد الجيش ، وفيهم أبو بكر ، وعمر ، وعثمان .
لذلك أيها الأخوة الكرام ، الأدب رائع جداً ، سيدنا يوسف قال :
* وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ * .
( سورة يوسف الآية : 100 ) .