والعلماء قالوا : الحكم الشرعي هو : إذا كان هذا المتأخّر فقيراً ينبغي أن ننتظره ، أمّا إذا كان غنياً فنأكل ولا ننتظر .
فإذا كان فقيراً وأكلنا قبله فسيشعر بنقص ، ويُجرح ، أمّا إذا كان شخصاً من مستوى الحضور يقولون له : فلماذا تأخّرت يا أخي فنحن أكلنا . وهذا هو الحكم الشرعي أورده الإمام الغزالي ، إذا كان المتأخّر فقيراً ينبغي أن ننتظره جبراً له.
والله عزَّ وجلَّ كما قال في كتابه العزيز :
* إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) *
( سورة التوبة)
(( إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بالقدر الذي يسع فقراءهم ، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا إلا بما يصنع أغنياؤهم ، ألا وإن الله يحاسبهم حساباً شديدا ، ويعذبهم عذاباً أليما ))
[ من الدر المنثور عن علي ]
الله يسامح الناس في بعض البلاد ، يصنعون وليمة تكلّف مئة ألف ، لأمير مثلاً ، جمل مكتّف سنّه صغير - قاعود - وهذه أفخر الأكلات ، فيأكل الأمير منه أوقيّة من اللحم والباقي يلقى في المزابل ، والله سبحانه وتعالى كبير فقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام : يا عائشة أكرمي جوار نعم الله ، فإنّ النعمة إذا نفرت قلّما تعود .
مرّةٍ حضرت عقد قران ومعه عشاء ، والعشاء لا أعتقد أن يكون قد أُكل منه خُمسَه ، وتكلّف كلّ مدعوٍ ألف ليرة وعدد المعزومين ثمانمئة شخصٍ ، وقال لي أحدهم : والله دفع ثمناً للعشاء مليوناً من الليرات بالتمام والكمال . فسألت : ما مصير هذا الطعام بعد أن انصرف المدعوّون ، وقد لاحظت أنه لا أحد أكل منه سوى الخمس بل أقل ؟ فقال صاحب الدعوة : والله ما ضاعت حبّة رزّ ، كل هذا الطعام أُخذ إلى ميتم ووضع في أكياس من البلاستيك في البرّادات ، وأكله هؤلاء الأيتام على فترة أسبوع أو عشرة أيّام ، لم تضع لقمة سُدى . فوالله قد سررت بذلك ، كما أنّ صاحب هذا الحفل جمع نفقات الحفل ودفع مثلها لتزويج الشباب غير القادرين ففي اليوم الثاني دفع مليون ليرة لتزويج بضعة شباب مقابلها .
فهذا شيء جميل وقد اطمأننت ، فالطعام إذا أُهمل ووضع في المهملات ، فهذه نعمةٌ كبيرةٌ جدّاً فالمؤمن لا يضيّع حبّةً من الأرز ، ولا يضيّع قطعة من الخبز ولو صغيرةً ، واضعاً كلَّ شيء بمحلّه ، فأعرف إخواناً كراماً يضعون الأكل الزائد فوق الأسطحة لتأكله الطيور بعض الفُتات والأكلات التي لا تُؤكل معه ولا يلقيها في سلّة المهملات ، بل يضعها على شرفة أو سطح فتأتي الطيور وتأكلها كلّها .