ذلك على طريق الاستعلام ، والاستفهام كقوله تعالى : ( 06 لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) (1)؛ بل إنما ذكروا ذلك وإن كانت صورته صورة استفهام على طريق الإثبات ؛ تصديقا لله تعالى فيما أخبرهم به. وذلك أن الله تعالى أخبرهم بأنه يجعل فى الأرض من يفسد فيها ، ويسفك الدماء ، فقالوا تصديقا له تعالى ( 07 أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) (2)، والمراد به تجعل ، ويجوز فى لغة العرب أن يطلق ما لفظه لفظ الاستفهام ، والمراد به الإثبات. قال جرير :
ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح
أى أنتم خير من ركب المطايا. وقد قال بعض أهل التفسير : إنما ذكروا ذلك على طريق التعجب عند أنفسهم من ذلك. وعلى كل تقدير فلا يكون ذلك منهم بطريق الإنكار.
وعلى هذا : فقد اندفع ما ذكرتموه من الوجه الثانى ، والثالث أيضا.
** وقولكم فى الوجه الرابع :
إنهم ذكروا ذلك على طريق الترفع ، والتعجب ؛ ليس كذلك.
بل إنما ذكروه على طريق الإخبار بالانقياد لله تعالى والطاعة ، والتعظيم لشأنه ، والتذلل بين يديه ، كما فى قول الواحد منا لغيره إذ أراد التذلل بين يديه ، أنا عبدك وخديمك وقائم بخدمتك.
وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على وقوع الذنوب من الملائكة ؛ فهو معارض بما يدل على عدمه ، وبيانه من وجهين :
الأول : قوله تعالى فى صفة الملائكة ( 05 يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) (3). ومن هذا صفته ؛ لا يتصور صدور الذنب منه ؛ لأنه فى حالة صدور الذنب منه ؛ يستدعى الفتور فى التسبيح ؛ وهو خلاف مدلول الآية.